قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: إِنْ سَأَلْنَا سَائِلٌ، فَقَالَ: إِنَّكَ ذَكَرْتَ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُخَاطِبَ اللَّهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ إِلَّا بِمَا يَفْهَمُهُ، وَأَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ رِسَالَةً إِلَّا بِاللِّسَانِ الَّذِي يَفْقَهُهُ، فَمَا أَنْتَ قَائِلٌ فِيمَا [روي] عَنْ أَبِي مُوسَى: {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ}
[الحديد: 28] قَالَ:"الْكِفْلَانِ: ضِعْفَانِ مِنَ الْأَجْرِ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ"
وَفِيمَا [روي] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ}
[المزمل: 6] . قَالَ:"بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ، إِذَا قَامَ الرَّجُلُ مِنَ اللَّيْلِ قَالُوا: نَشَأَ"
وَفِيمَا [روي] عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ: {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ}
[سبأ: 10] . قَالَ: «سَبِّحِي بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ»
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكُلُّ مَا قُلْنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ حَدَّثَكُمْ فَقَدْ حَدَّثُونَا بِهِ.
وَفِيمَا [روي] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ}
[المدثر: 51] . قَالَ:"هُوَ بِالْعَرَبِيَّةِ: الْأَسَدُ. وَبِالْفَارِسِيَّةِ: شَارْ. وَبِالنَّبَطِيَّةِ: أَرَيَا. وَبِالْحَبَشِيَّةِ: قَسْوَرَةٌ"
وَفِيمَا [روي] عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ:"قَالَتْ قُرَيْشٌ: لَوْلَا أُنْزِلَ هَذَا الْقُرْآنُ أَعْجَمِيًّا وَعَرَبِيًّا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} "
[فصلت: 44] فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ فِي الْقُرْآنِ بِكُلِّ لِسَانٍ فِيهِ {حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ}
[هود: 82] قَالَ: فَارِسِيَّةٌ أُعْرِبَتْ: سنك وكل""
وَفِيمَا [روي] عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، قَالَ: «فِي الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ لِسَانٍ.
وَفِيمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي يَطُولُ بِذِكْرِهَا الْكِتَابُ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِيهِ مِنْ غَيْرِ لِسَانِ الْعَرَبِ» قِيلَ لَهُ: إِنَّ الَّذِيَ قَالُوهُ مِنْ ذَلِكَ غَيْرُ خَارِجٍ مِنْ مَعْنَى مَا قُلْنَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا: هَذِهِ الْأَحْرُفُ وَمَا أَشْبَهَهَا لَمْ تَكُنْ لِلْعَرَبِ كَلَامًا، وَلَا كَانَ ذَاكَ لَهَا مَنْطِقًا قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ، وَلَا كَانَتْ بِهَا الْعَرَبُ عَارِفَةً قَبْلَ مَجِيءِ الْفُرْقَانِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ قَوْلًا لِقَوْلِنَا خِلَافًا.
وَإِنَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: حَرْفُ كَذَا بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ مَعْنَاهُ كَذَا، وَحَرْفُ كَذَا بِلِسَانِ الْعَجَمِ مَعْنَاهُ كَذَا، وَلَمْ يَسْتَنْكِرْ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْكَلَامِ، مَا يَتَّفِقُ فِيهِ أَلْفَاظُ جَمِيعِ أَجْنَاسِ الْأُمَمِ الْمُخْتَلِفَةُ الْأَلْسُنُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَكَيْفَ بِجِنْسَيْنِ مِنْهَا. كَمَا قَدْ وَجَدْنَا اتِّفَاقَ كَثِيرٍ مِنْهُ، فِيمَا قَدْ عَلِمْنَاهُ مِنَ الْأَلْسُنِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَذَلِكَ كَالدِّرْهَمِ، وَالدِّينَارِ، وَالدَّوَاةِ، وَالْقَلَمِ، وَالْقِرْطَاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُتْعِبُ إِحْصَاؤُهُ، وَيُمِلُّ تَعْدَادُهُ، كَرِهْنَا إِطَالَةَ الْكِتَابِ بِذِكْرِهِ، مِمَّا اتَّفَقَتْ فِيهِ الْفَارِسِيَّةُ وَالْعَرَبِيَّةُ، بِاللَّفْظِ وَالْمَعْنَى. وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْأَلْسُنِ، الَّتِي يُجْهَلُ مَنْطِقُهَا، وَلَا يُعْرَفُ كَلَامُهَا.