فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 6201

فَلَوْ أَنَّ قَائِلًا قَالَ: فيما ذَكَرْنَا مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي عَدَدْنَا وَأُخْبِرْنَا اتِّفَاقَهُ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، بِالْفَارِسِيَّةِ وَالْعَرَبِيَّةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا سَكَتْنَا عَنْ ذَكَرِهِ، ذَلِكَ كُلُّهُ فَارِسِيٌّ لَا عَرَبِيٌّ، أَوْ ذَلِكَ كُلُّهُ عَرَبِيٌّ لَا فَارِسِيٌّ، أَوْ قَالَ: بَعْضُهُ عَرَبِيٌّ وَبَعْضُهُ فَارِسِيٌّ، أَوْ قَالَ: كَانَ مَخْرَجُ أَصْلِهِ مِنْ عِنْدِ الْعَرَبِ، فَوَقَعَ إِلَى الْعَجَمِ فَنَطَقُوا بِهِ، أَوْ قَالَ: كَانَ مَخْرَجُ أَصْلِهِ مِنْ عِنْدِ الْفُرْسِ فَوَقَعَ إِلَى الْعَرَبِ فَأَعْرَبَتْهُ. كَانَ مُسْتَجْهَلًا، لِأَنَّ الْعَرَبَ لَيْسَتْ بِأَوْلَى أَنْ تَكُونَ كَانَ مَخْرَجُ أَصْلِ ذَلِكَ مِنْهَا إِلَى الْعَجَمِ، وَلَا الْعَجَمُ بِأَحَقِّ أَنْ تَكُونَ كَانَ مَخْرَجُ أَصْلِ ذَلِكَ مِنْهَا إِلَى الْعَرَبِ إِذْ كَانَ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ وَمَعْنًى وَاحِدٍ مَوْجُودًا فِي الْجِنْسَيْنِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَوْجُودًا عَلَى مَا وَصَفْنَا فِي الْجِنْسَيْنِ، فَلَيْسَ أَحَدُ الْجِنْسَيْنِ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ أَصْلُ ذَلِكَ كَانَ مِنْ عِنْدِهِ، مِنَ الْجِنْسِ الْآخَرِ، وَالْمُدَّعِي أَنَّ مَخْرَجَ أَصْلِ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَحَدِ الْجِنْسَيْنِ إِلَى الْآخَرِ مُدَّعٍ أَمْرًا لَا يُوَصِلُ إِلَى حَقِيقَةِ صِحَّتِهِ، إِلَّا بِخَبَرٍ يُوجِبُ الْعِلْمَ، وَيُزِيلُ الشَّكَّ، وَيَقْطَعُ الْعُذْرَ صِحَّتِهِ. بَلِ الصَّوَابُ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُسَمَّى عَرَبِيًّا أَعْجَمِيًّا، أَوْ حَبَشِيًّا عَرَبِيًّا، إِذْ كَانَتِ الْأُمَّتَانِ لَهُ مُسْتَعْمِلَتَيْنِ فِي بَيَانِهَا وَمَنْطِقِهَا، اسْتِعْمَالَ سَائِرِ مَنْطِقِهَا وَبَيَانِهَا، فَلَيْسَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ كُلِّ أُمَّةٍ مِنْهُمَا بِأَوْلَى أَنْ يَكُونَ إِلَيْهَا مَنْسُوبًا مِنْهُ، فَكَذَلِكَ سَبِيلُ كُلِّ كَلِمَةٍ وَاسْمٍ، اتَّفَقَتْ أَلْفَاظُ أَجْنَاسِ أُمَمٍ فِيهَا وَمَعْنَاهَا، وَوُجِدَ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلًا فِي كُلِّ جِنْسٍ مِنْهَا، اسْتِعْمَالَ سَائِرِ مَنْطِقِهِمْ، فَسَبِيلُ إِضَافَتِهِ إِلَى كُلِّ جِنْسٍ مِنْهَا سَبِيلُ مَا وَصَفْنَا مِنَ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ، وَالدَّوَاةِ وَالْقَلَمِ الَّتِي اتَّفَقَتْ أَلْسُنُ الْفُرْسِ وَالْعَرَبِ فِيهَا بِالْأَلْفَاظِ الْوَاحِدَةِ، وَالْمَعْنَى الْوَاحِدِ، فِي أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ إِضَافَتَهُ إِلَى كُلِّ جِنْسٍ مِنْ تِلْكِ الْأَجْنَاسِ بِاجْتِمَاعٍ وَافْتِرَاقٍ. وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى مَنْ رَوَيْنَا عَنْهُ الْقَوْلَ فِي الْأَحْرُفِ الَّتِي مَضَتْ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ، مِنْ نِسْبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضَ ذَلِكَ إِلَى لِسَانِ الْحَبَشَةِ، وَنَسَبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضَ ذَلِكَ إِلَى لِسَانِ الْفُرْسِ، وَنَسَبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضَ ذَلِكَ إِلَى لِسَانِ الرُّومِ، لِأَنَّ مَنْ نَسَبَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إِلَى مَا نَسَبَهُ إِلَيْهِ، لَمْ يَنْفِ بِنِسْبَتِهِ إِيَّاهُ إِلَى مَا نَسَبُهُ إِلَيْهِ، أَنْ يَكُونَ عَرَبِيًّا، وَلَا مَنْ قَالَ مِنْهُمْ: هُوَ عَرَبِيٌّ نَفَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا النِّسْبَةَ إِلَى مَنْ هُوَ مِنْ كَلَامِهِ مِنْ سَائِرِ أَجْنَاسِ الْأُمَمِ غَيْرِهَا، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْإِثْبَاتُ دَلِيلًا عَلَى النَّفْيِ فِيمَا لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُ مِنَ الْمَعَانِي كَقَوْلِ الْقَائِلِ: فُلَانٌ قَائِمٌ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ دَالًا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ قَاعِدٍ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، مِمَّا يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُهُ لِتَنَافِيهِمَا.

فَأَمَّا مَا جَازَ اجْتِمَاعُهُ، فَهُوَ خَارِجٌ مِنَ الْمَعْنَى، وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: فُلَانٌ قَائِمٌ مُكَلَّمٌ فُلَانًا، فَلَيْسَ فِي تَثْبِيتِ الْقِيَامِ لَهُ مَا دَلَّ عَلَى نَفْيِ كَلَامٍ آخَرَ لِجَوَازِ اجْتِمَاعِ ذَلِكَ فِي حَالٍ وَاحِدٍ، مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ، فَقَائِلُ ذَلِكَ صَادِقٌ، إِذَا كَانَ صَاحِبُهُ عَلَى مَا وَصَفَهُ بِهِ. فَكَذَلِكَ مَا قُلْنَا فِي الْأَحْرُفِ الَّتِي ذَكَرْنَا وَمَا أَشْبَهَهَا غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ أَنْ يَكُونَ عَرَبِيًّا بَعْضَهَا أَعْجَمِيًّا، وَحَبَشِيًّا بَعْضَهَا عَرَبِيًّا، إِذْ كَانَ مَوْجُودًا اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ فِي كِلْتَا الْأُمَّتَيْنِ، فَنَاسِبُ مَا نَسَبَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى إِحْدَى الْأُمَّتَيْنِ، أَوْ كِلْتَيْهِمَا، مُحِقٌّ غَيْرُ مُبْطِلٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت