فهرس الكتاب

الصفحة 422 من 6201

قال أبو جعفر: وهذا القولُ الآخر أولى بالصواب من الأول، إذ كان غيرَ موجودٍ في كلام العرب ابتداءُ الكلام من غير جحد تقدَّمه بـ"لا"التي معناها الحذف، ولا جائزٍ العطفُ بها على"سوى"، ولا على حرف الاستثناء.

وإنما لِـ"غير"في كلام العرب معان ثلاثة: أحدها الاستثناء، والآخر الجحد، والثالث سوى. فإذا ثبت خطأ"لا"أن يكون بمعنى الإلغاء مُبتدأ، وفسدَ أن يكون عطفًا على"غير"التي مع"المغضوب عليهم"، لو كانت بمعنى"إلا"التي هي استثناء، ولم يَجز أيضًا أن يكون عطفًا عليها لو كانت بمعنى"سوى"، وكانت"لا"موجودة عطفًا بالواو التي هي عاطفة لها على ما قَبلها - صحَّ وثبت أن لا وجهَ لـ"غير"، التي مع"المغضوب عليهم"، يجوز توجيهها إليه على صحَّة إلا بمعنى الجحد والنفي، وأن لا وَجه لقوله:"ولا الضالين"، إلا العطف على"غير المغضوب عليهم".

فتأويلُ الكلام إذًا - إذْ كان صحيحًا ما قلنا بالذي عليه استشهدنا - اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، لا المغضوب عليهم ولا الضالين.

فإن قال لنا قائل: ومَن هؤلاء الضَّالُّون الذين أمرنا اللهُ بالاستعاذة بالله أن يَسْلُكَ بنا سبيلهم، أو نَضِلَّ ضلالهم؟

قيل: هم الذين وصَفهم الله في تنزيله فقال: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) [المائدة: 77] .

فإن قال: وما برهانك على أنهم أولاء؟

قيل: [روي] عن عدي بن أبي حاتم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ولا الضالين"قال: النصارى.

عن عبد الله بن شقيق: أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محاصرٌ واديَ القُرَى قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الضّالون: النصارى.

عن ابن عباس:"ولا الضالين"قال: وَغير طريقِ النَّصارى الذين أضلَّهم الله بِفرْيَتهمْ عليه.

قال: يقول: فألهِمنا دينك الحق، وهو لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، حتى لا تغضَبَ علينا كما غضبتَ على اليهود، ولا تضلَّنا كما أضللتَ النصارى فتعذّبنا بما تعذِّبهم به. يقول امنعْنا من ذلك برفْقِك ورَحمتك وقدرتك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت