فهرس الكتاب

الصفحة 3448 من 6201

وَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صَحِيحًا، فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ وَضَعَ عَنِ الْحَامِلِ، وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ مَا دَامَتَا عَاجِزَتَيْنِ عَنْهُ حَتَّى تُطِيقَا فَتَقْضِيَا، كَمَا وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ فِي سَفَرِهِ حَتَّى يُقِيمَ فَيَقْضِيَهُ، لَا أَنَّهُمَا أُمِرَتَا بِالْفِدْيَةِ، وَالْإِفْطَارِ بِغَيْرِ وُجُوبِ قَضَاءٍ، وَلَوْ كَانَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ وَالْمُرْضِعِ وَالْحَامِلِ الصَّوْمَ» دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا عَنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَضَعَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}

لَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُسَافِرِ إِذَا أَفْطَرَ فِي سَفَرِهِ قَضَاءٌ، وَأَنْ لَا يَلْزَمَهُ بِإِفْطَارِهِ ذَلِكَ إِلَّا الْفِدْيَةُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ حُكْمِهِ وَبَيْنَ حُكْمِ الْحَامِلِ، وَالْمُرْضِعِ، وَذَلِكَ قَوْلٌ إِنْ قَالَهُ قَائِلٌ خِلَافٌ لِظَاهِرِ كِتَابِ اللَّهِ وَلِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ جَمِيعُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ.

وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ}

وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَ الطَّعَامَ، وَذَلِكَ لِتَأْوِيلِ أَهْلِ الْعِلْمِ مُخَالِفٌ.

وَأَمَّا قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ: «وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ» فَقِرَاءَةٌ لِمَصَاحِفِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ خِلَافٌ، وَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ الِاعْتِرَاضُ بِالرَّأْيِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْمُسْلِمُونَ وِرَاثَةً عَنْ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَقْلًا ظَاهِرًا قَاطِعًا لِلْعُذْرِ، لِأَنَّ مَا جَاءَتْ بِهِ الْحُجَّةُ مِنَ الدِّينِ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى مَا قَدْ ثَبَتَ وَقَامَتْ بِهِ حُجَّةٌ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِالْآرَاءِ وَالظُّنُونِ وَالْأَقْوَالِ الشَّاذَّةِ.

وَأَمَّا مَعْنَى «الْفِدْيَةِ» فَإِنَّهُ الْجَزَاءُ مِنْ قَوْلِكَ: فَدَيْتُ هَذَا بِهَذَا: أَيْ جَزَيْتُهُ بِهِ، وَأَعْطَيْتَهُ بَدَلًا مِنْهُ.

وَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَ الصِّيَامَ جَزَاءٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ لِكُلِّ يَوْمٍ أَفْطَرَهُ مِنْ أَيَّامِ صِيَامِهِ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْهِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}

فَإِنَّ الْقُرَّاءَ مُخْتَلِفَةٌ فِي قِرَاءَتِهِ، فَبَعْضٌ يَقْرَأُ بِإِضَافَةِ الْفِدْيَةِ إِلَى الطَّعَامِ، وَخَفْضِ الطَّعَامِ؛ وَذَلِكَ قِرَاءَةُ مُعْظَمِ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ بِمَعْنَى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ أَنْ يَفْدُوهُ طَعَامُ مِسْكِينٍ؛ فَلَمَّا جُعِلَ مَكَانَ أَنْ يَفْدِيَهُ الْفِدْيَةُ أُضِيفَ إِلَى الطَّعَامِ، كَمَا يُقَالُ: لَزِمَنِي غَرَامَةُ دِرْهَمٍ لَكَ بِمَعْنَى لَزِمَنِي أَنْ أَغْرَمَ لَكَ دِرْهَمًا، وَآخَرُونَ يَقْرَءُونَهُ بِتَنْوِينِ الْفِدْيَةِ؛ وَرَفْعُ الطَّعَامِ بِمَعْنَى الْإِبَانَةِ فِي الطَّعَامِ عَنْ مَعْنَى الْفِدْيَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِي صَوْمِهِ الْوَاجِبِ، كَمَا يُقَالُ لَزِمَنِي غَرَامَةُ دِرْهَمٍ لَكَ، فَتَبَيَّنَ بِالدِّرْهَمِ عَنْ مَعْنَى الْغَرَامَةِ مَا هِيَ وَمَا حَدُّهَا، وَذَلِكَ قِرَاءَةُ عُظْمِ قُرَّاءِ أَهْلِ الْعِرَاقِ.

وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: «فِدْيَةٌ طَعَامٌ» بِإِضَافَةِ الْفِدْيَةِ إِلَى الطَّعَامِ؛ لِأَنَّ الْفِدْيَةَ اسْمٌ لِلْفِعْلِ، وَهِيَ غَيْرُ الطَّعَامِ الْمَفْدِيِّ بِهِ الصَّوْمُ. وَذَلِكَ أَنَّ الْفِدْيَةَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: فَدَيْتُ صَوْمَ هَذَا الْيَوْمِ بِطَعَامِ مِسْكِينٍ، أَفْدِيهِ فِدْيَةً، كَمَا يُقَالُ: جَلَسْتُ جِلْسَةً، وَمَشَيْتُ مِشْيَةً، وَالْفِدْيَةُ فِعْلٌ، وَالطَّعَامُ غَيْرُهَا. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَبَيَّنَ أَنَّ أَصَحَّ الْقِرَاءَتَيْنِ إِضَافَةُ الْفِدْيَةِ إِلَى الطَّعَامِ، وَوَاضِحٌ خَطَأُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ تَرْكَ إِضَافَةِ الْفِدْيَةِ إِلَى الطَّعَامِ أَصَحُّ فِي الْمَعْنَى مِنْ أَجْلِ أَنَّ الطَّعَامَ عِنْدَهُ هُوَ الْفِدْيَةُ. فَيُقَالُ لِقَائِلِ ذَلِكَ: قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْفِدْيَةَ مُقْتَضِيَةٌ مَفْدِيًّا وَمَفْدِيًّا بِهِ وَفِدْيَةً، فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ هُوَ الْفِدْيَةُ وَالصَّوْمُ هُوَ الْمَفْدِيُّ بِهِ، فَأَيْنَ اسْمُ فِعْلِ الْمُفْتَدَى الَّذِي هُوَ فِدْيَةٌ؟ إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ خَطَأٌ بَيِّنٌ غَيْرُ مُشْكِلٍ.

وَأَمَّا الطَّعَامُ فَإِنَّهُ مُضَافٌ إِلَى الْمِسْكِينِ وَالْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ مُخْتَلِفُونَ، فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ بِتَوْحِيدِ الْمِسْكِينِ بِمَعْنَى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ وَاحِدٍ لِكُلِّ يَوْمٍ أَفْطَرَهُ.

وَقَرَأَهُ آخَرُونَ بِجَمْعِ الْمَسَاكِينِ: (فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ) بِمَعْنَى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ عَنِ الشَّهْرِ إِذَا أَفْطَرَ الشَّهْرَ كُلَّهُ.

وَأَعْجَبُ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ طَعَامَ مِسْكِينٍ عَلَى الْوَاحِدِ بِمَعْنَى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ أَفْطَرُوهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ؛ لِأَنَّ فِي إِبَانَةِ حُكْمِ الْمُفْطِرِ يَوْمًا وَاحِدًا وَصُولًا إِلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ الْمُفْطِرِ جَمِيعَ الشَّهْرِ وَلَيْسَ فِي إِبَانَةِ حُكْمِ الْمُفْطِرِ جَمِيعَ الشَّهْرِ وصُولٌ إِلَى إِبَانَةِ حُكْمِ الْمُفْطِرِ يَوْمًا وَاحِدًا وَأَيَّامًا هِيَ أَقَلُّ مِنْ أَيَّامِ جَمِيعِ الشَّهْرِ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُتَرْجِمُ عَنِ الْجَمِيعِ وَأَنَّ الْجَمِيعَ لَا يُتَرْجَمُ بِهِ عَنِ الْوَاحِدِ، فَلِذَلِكَ اخْتَرْنَا قِرَاءَةَ ذَلِكَ بِالتَّوْحِيدِ.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَبْلَغِ الطَّعَامِ الَّذِي كَانُوا يَطْعَمُونَ فِي ذَلِكَ إِذَا أَفْطِرُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ الْوَاجِبُ مِنْ طَعَامِ الْمِسْكِينِ لِإِفْطَارِ الْيَوْمِ الْوَاحِدِ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ قَمْحِ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ الْوَاجِبُ مِنْ طَعَامِ الْمِسْكِينِ لِإِفْطَارِ الْيَوْمِ مُدًّا مِنْ قَمْحِ وَمِنْ سَائِرِ أَقْوَاتِهِمْ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ ذَلِكَ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحِ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا كَانَ الْمُفْطِرُ يَتَقَوَّتُهُ يَوْمَهُ الَّذِي أَفْطَرَهُ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ ذَلِكَ سُحُورًا وَعَشَاءً يَكُونُ لِلْمِسْكِينِ إِفْطَارًا. وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ فَكَرِهْنَا إِعَادَةَ ذِكْرِهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت