فهرس الكتاب

الصفحة 5767 من 6201

فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتُ: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا}

وَقَدْ ذَكَرْتُ آنِفًا أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مَا جَاوَزَ حَدَّ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَظِيرَ مَا دُونَ حَدِّهِ فِي الْحُكْمِ، وَقَدْ قُلْتُ: إِنَّ الْحَمْلَ وَالْفِصَالَ قَدْ يُجَاوِزَانِ ثَلَاثِينَ شَهْرًا؟

قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمْ يَجْعَلْ قَوْلَهُ: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا}

حَدًّا تَعْبُدُ عِبَادُهُ بِأَنْ لَا يُجَاوِزَهُ كَمَا جَعَلَ قَوْلَهُ: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}

حَدًّا لِرَضَاعِ الْمَوْلُودِ التَّامِّ الرَّضَاعِ، وَتَعَبُّدِ الْعِبَادِ بِحَمْلِ وَالِدَيْهِ عَلَيْهِ عِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا فِيهِ، وَإِرَادَةِ أَحَدِهِمَا الضِّرَارَ بِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَمْرَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَكُونُ لِلْعِبَادِ السَّبِيلُ إِلَى طَاعَتِهِ بِفِعْلِهِ وَالْمَعْصِيَةِ بِتَرْكِهِ، فَأَمَّا مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِلَى فِعْلِهِ، وَلَا إِلَى تَرْكِهِ سَبِيلٌ فَذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ الْأَمْرُ بِهِ وَلَا النَّهْي عَنْهُ، وَلَا التَّعَبُّدُ بِهِ فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ الْحَمْلَ مِمَّا لَا سَبِيلِ لِلنِّسَاءِ إِلَى تَقْصِيرِ مُدَّتِهِ، وَلَا إِلَى إِطَالَتِهَا فَيَضَعْنَهُ مَتَى شِئْنَ وَيَتْرُكْنَ وَضْعَهُ إِذَا شِئْنَ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ قَوْلَهُ: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا}

إِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ أَنَّ مِنْ خَلْقِهِ مَنْ حَمْلَتُهُ وَوِلْدَتُهُ وَفَصْلَتُهُ فِي ثَلَاثِينَ شَهْرًا، لَا أَمْرٌ بِأَنْ لَا يَتَجَاوَزَ فِي مُدَّةِ حَمْلِهِ وَفِصَالِهِ ثَلَاثُونَ شَهْرًا لِمَا وَصَفْنَا، وَكَذَلِكَ قَالَ رَبُّنَا تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي كِتَابِهِ: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعْتُهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} ، فَإِنْ ظَنَّ ذُو غَبَاءٍ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِذْ وَصَفَ أَنَّ مِنْ خَلْقِهِ مَنْ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَوَضَعَتْهُ، وَفَصَلَتْهُ فِي ثَلَاثِينَ شَهْرًا، فَوَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ خَلْقِهِ ذَلِكَ صِفَتُهُمْ، وَأَنَّ ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ حَمْلَ كُلِّ عِبَادِهِ وَفِصَالِهِ ثَلَاثُونَ شَهْرًا؛ فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ عِبَادِهِ صِفَتَهُمْ أَنْ يَقُولُوا إِذَا بَلَغُوا أَشَدَّهُمْ وَبَلَغُوا أَرْبَعِينَ سَنَةً {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدِيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ}

عَلَى مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ الَّذِي وَصَفَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَفِي وُجُودِنَا مَنْ يَسْتَحْكِمُ كُفْرُهُ بِاللَّهِ وَكُفْرَانُهُ نِعَمَ رَبِّهِ عَلَيْهِ، وَجُرْأَتِهِ عَلَى وَالِدَيْهِ بِالْقَتْلِ وَالشَّتْمِ وَضُرُوبِ الْمَكَارِهِ عِنْدَ اسْتِكْمَالِهِ الْأَرْبَعِينَ مِنْ سِنِيهِ وَبُلُوغِهِ أَشَدَّهُ مَا يَعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَعْنِ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ صِفَةَ جَمِيعِ عِبَادِهِ، بَلْ يَعْلَمُ أَنَّهُ إِنَّمَا وَصَفَ بِهَا بَعْضًا مِنْهُمْ دُونَ بَعْضٍ، وَذَلِكَ مَا لَا يُنْكِرُهُ وَلَا يَدْفَعُهُ أَحَدٌ؛ لِأَنَّ مَنْ يُولَدُ مِنَ النَّاسِ لَتِسْعَةِ أَشْهُرٍ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُولَدُ لِأَرْبَعِ سِنِينَ وَلِسَنَتَيْنِ، كَمَا أَنَّ مَنَ يُولَدُ لَتِسْعَةِ أَشْهُرٍ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُولَدُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَلِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ.

وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَ عَامَّةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}

بِالْيَاءِ فِي (يُتِمَّ) وَنَصْبِ الرَّضَاعَةِ بِمَعْنَى: لِمَنْ أَرَادَ مِنَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ أَنْ يُتِمَّ رَضَاعَ وَلَدِهِ، وَقَرَأَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ تَتِمَّ الرَّضَاعَةُ) بِالتَّاءِ فِي «تَتِمَّ» وَرَفْعُ «الرَّضَاعَةُ» بِصِفَتِهَا،

وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ فِي «يُتِمُّ» وَنَصْبِ «الرَّضَاعَةِ» لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَالَ {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ}

فَكَذَلِكَ هُنَّ يُتَمِّمُهَا إِذَا أَرَدْنَ هُنَّ وَالْمَوْلُودُ لَهُ إِتَمَامُها، وَأَنَّهَا الْقِرَاءَةُ الَّتِي جَاءَ بِهَا النَّقْلُ الْمُسْتَفِيضُ الَّذِي ثَبَتَتْ بِهِ الْحُجَّةُ دُونَ الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى وَقَدْ حُكِيَ فِي الرَّضَاعَةِ سَمَاعًا مِنَ الْعَرَبِ كَسْرُ الرَّاءِ الَّتِي فِيهَا، وَإِنْ تَكُنْ صَحِيحَةً فَهِيَ نَظِيرَةُ الْوَكَالَةِ وَالْوِكَالَةِ، وَالدَّلَالَةُ وَالدَّلَالَةُ، وَمَهَرْتُ الشَّيْءَ مَهَارَةً وَمَهَارَةً، فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ الرَّضَاعُ وَالرَّضَاعُ، كَمَا قِيلَ الْحَصَادُ وَالْحَصَادُ، وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ فَبِالْفَتْحِ لَا غَيْرَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت