فهرس الكتاب

الصفحة 1940 من 6201

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْقُرَّاءِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلِكَيْنِ} يَعْنِي بِهِ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي آدَمَ.

وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى خَطَأِ الْقِرَاءَةِ بِذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِدْلَالِ؛ فَأَمَّا مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ فَإِجْمَاعُ الْحُجَّةِ عَلَى خَطَأِ الْقِرَاءَةِ بِهَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَقُرَّاءِ الْأَمْصَارِ، وَكَفَى بِذَلِكَ شَاهِدًا عَلَى خَطَئِهَا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

= ما التفسير الصحيح للآية؟

وليس من شأني في هذا الكتاب مجرد الهدم والإبطال لهذه الإسرائيليات والخرافات فحسب، ولكني إلى ذلك سأعنى بتفسير الآيات التي حرفت عن مواضعها، تفسيرا علميا صحيحا، يشهد له النقل الصحيح، والعقل السليم، والسابق واللاحق من الآيات، حتى يزداد القارئ يقينا أنها دخيلة على القرآن الكريم، وإليك التفسير الصحيح.

قوله تعالى: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ} .

وليس في الآية ما يدل ولو من بُعدٍ على هذه القصة المنكرة، وليس السبب في نزول الآية ذلك، وإنما السبب: أن الشياطين في ذلك الزمن السحيق كانوا يسترقون السمع من السماء، ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها، ويُلْقُونها إلى كهنة اليهود وأحبارهم. وقد دوَّنها هؤلاء في كتب يقرؤونها، ويعلمونها الناس، وفشا ذلك في زمن سليمان عليه السلام حتى قالوا: هذا علم سليمان وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم، وبه يسخر الإنس، والجن، والريح التي تجري بأمره، وهذا من افتراءات اليهود على الأنبياء، فأكذبهم الله بقوله: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} .

ثم عطف عليه: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} فالمراد بما أنزل هو: علم السحر الذي نزلا ليعلماه الناس، حتى يحذروا منه، فالسبب في نزولهما هو: تعليم الناس أبوابا من السحر، حتى يعلم الناس الفرق بين السحر والنبوة، وأن سليمان لم يكن ساحرا، وإنما كان نبيا مرسلا من ربه، وقد احتاط الملكان عليهما السلام غاية الاحتياط، فما كانا يُعلِّمان أحدا شيئا من السحر حتى يُحذِّراه، ويقولا له: إنما نحن فتنة أي بلاء واختبار، فلا تكفر بتعلمه والعمل به، وأما من تعلمه للحذر منه، وليعلم الفرق بينه وبين النبوة والمعجزة؛ فهذا لا شيء فيه، بل هو أمر مطلوب، مرغوب فيه إذا دعت الضرورة إليه، ولكن الناس ما كانوا يأخذون بالنصيحة، بل كانوا يفرقون به بين المرء وزوجه، وذلك بإذن الله ومشيئته، وقد دلت الآية: على أن تعلم السحر لتحذير الناس من الوقوع فيه والعمل به مباح، ولا إثم فيه، وأيضا تعلمه؛ لإزالة الاشتباه بينه، وبين المعجزة، والنبوة مباح، ولا إثم فيه، وإنما الحرم والإثم في تعلمه أو تعليمه للعمل به، فهو مثل ما قيل:

عرفت الشر لا للشر ... لكن لتوقِّيهِ

ومن لا يعرف الشر ... من الناس يقعْ فِيهِ

واليهود عليهم لعائن الله لما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يعلمون أنه النبي الذي بشرت به التوراة حتى كانوا يستفتحون به على المشركين قبل ميلاده وبعثته، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، ونبذوا كتابهم التوراة، وكتاب الله القرآن وراء ظهورهم، وبدل أن يتبعوا الحق المبين اتبعوا السحر الذي توارثوه عن آبائهم والذي علمتهم إياه الشياطين، وكان الواجب عليهم أن ينبذوا السحر، ويحذروا الناس من شره، وذلك كما فعل الملكان: هاروت وماروت من تحذير الناس من شروره، والعمل به، وهذا هو التفسير الصحيح للآية، لا ما زعمه المبطلون الخرفون وبذلك: يحصل التناسق بين الآيات وتكون الآية متآخية متعانقة، ولا أدري ما الصلة بين ما رووه من إسرائيليات، وبين قوله: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ} الآية.

والعجب: أن الإمام ابن جرير حوَّم حول ما ذكرناه في تفسير الآية ثم لم يلبث أن ذكر ما ذكر! والخلاصة: على القارئ أن يحذر من هذه الإسرائيليات؛ سواء وجدها في كتاب تفسير، أو حديث أو تاريخ أو مواعظ، أو أدب أو اهـ (الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير. ص: 162 - 166) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت