الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) }
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ}
وَيَسْأَلُكَ يَا مُحَمَّدُ أَصْحَابُكَ عَنِ الْحَيْضِ وَقِيلَ «الْمَحِيضِ» لِأَنَّ مَا كَانَ مِنَ الْفِعْلِ مَاضِيهِ بِفَتْحِ عَيْنِ الْفِعْلِ وَكَسْرِهَا فِي الِاسْتِقْبَالِ، مِثْلَ قَوْلِ الْقَائِلِ: ضَرَبَ يَضْرِبُ، وَحَبَسَ يَحْبِسُ، وَنَزَلَ يَنْزِلُ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تَبْنِي مَصْدَرَهُ عَلَى الْمَفْعِلِ، وَالِاسْمُ عَلَى الْمَفْعَلِ مِثْلَ الْمَضْرِبِ وَالْمَضْرَبِ مِنْ ضَرَبْتُ، وَنَزَلْتُ مَنْزِلًا وَمَنْزَلًا. وَمَسْمُوعٌ فِي ذَوَاتِ الْيَاءِ وَالْأَلِفِ الْمَعِيشِ وَالْمَعَاشِ وَالْمَعِيبِ وَالْمُعَابِ، كَمَا قَالَ رُؤْبَةُ فِي الْمَعِيشِ:
[البحر الرجز]
إِلَيْكَ أَشْكُو شِدَّةَ الْمَعِيشِ ... وَمُرَّ أَعْوَامٍ نَتَفْنَ رِيشِي
وَإِنَّمَا كَانَ الْقَوْمُ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا ذُكِرَ لَنَا عَنِ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ بَيَانِ اللَّهِ لَهُمْ مَا يَتَبَيَّنُونَ مِنْ أَمْرِهِ، لَا يُسَاكِنُونَ حَائِضًا فِي بَيْتٍ، وَلَا يُؤَاكِلُونَهُنَّ فِي إِنَاءٍ، وَلَا يُشَارِبُونَهُنَّ، فَعَرَّفَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الَّذِيَ عَلَيْهِمْ فِي
أَيَّامِ حِيَضِ نِسَائِهِمْ أَنْ يَجْتَنِبُوا جِمَاعَهُنَّ فَقَطْ دُونَ مَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ مُضَاجَعَتِهِنَّ، وَمُؤَاكَلَتِهِنَّ، وَمُشَارَبَتِهِنَّ.
عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ:" {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} "
حَتَّى بَلَغَ: {حَتَّى يَطْهُرْنَ}
فَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ لَا تُسَاكِنُهُمْ حَائِضٌ فِي بَيْتٍ، وَلَا تُؤَاكِلُهُمْ فِي إِنَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي ذَلِكَ، فَحَرَّمَ فَرْجَهَا مَا دَامَتْ حَائِضًا، وَأَحَلَّ مَا سِوَى ذَلِكَ: أَنْ تَصْبُغَ لَكَ رَأْسَكَ، وَتُؤَاكِلَكَ مِنْ طَعَامِكَ، وَأَنْ تُضَاجِعَكَ فِي فِرَاشِكَ إِذَا كَانَ عَلَيْهَا إِزَارٌ مُحْتَجِزَةٌ بِهِ دُونَكَ"."
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُمْ سَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي أَيَّامِ حَيْضِهِنَّ يَجْتَنِبُونَ إِتْيَانِهِنَّ فِي مَخْرَجِ الدَّمِ وَيَأْتُونَهُنَّ فِي أَدْبَارِهِنَّ. فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ أَنْ يَقْرَبُوهُنَّ فِي أَيَّامِ حَيْضِهِنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْ إِذَا تَطَهَّرْنَ مِنْ حَيْضِهِنَّ فِي إِتْيَانِهِنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ بِاعْتِزَالِهِنَّ، وَحَرَّمَ إِتْيَانَهُنَّ فِي أَدْبَارِهِنَّ بِكُلِّ حَالٍ.
وَقِيلَ: إِنَّ السَّائِلَ الَّذِي سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ ثَابِتَ بْنَ الدَّحْدَاحِ الْأَنْصَارِيَّ حَدَّثَنِي بِذَلِكَ مُوسَى بْنُ هَارُونَ.