فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 6201

(وَمِنْهَا) مَا يَكُونُ حُجَّةً لِقَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ كَقِرَاءَةِ (وَالْأَرْحَامِ) بِالْخَفْضِ، وَ (لِيُجْزَى قَوْمًا) عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مَعَ النَّصْبِ.

(وَأَمَّا) عَلَى كَمْ مَعْنًى تَشْتَمِلُ هَذِهِ الْأَحْرُفُ السَّبْعَةُ، فَإِنَّ مَعَانِيَهَا مِنْ حَيْثُ وُقُوعِهَا وَتَكْرَارِهَا شَاذًّا وَصَحِيحًا لَا تَكَادُ تَنْضَبِطُ مِنْ حَيْثُ التَّعْدَادُ، بَلْ يَرْجِعُ ذَلِكَ كُلُّهُ إِلَى مَعْنَيَيْنِ:

(أَحَدُهُمَا) مَا اخْتَلَفَ لَفْظُهُ وَاتَّفَقَ مَعْنَاهُ، سَوَاءٌ كَانَ الِاخْتِلَافُ اخْتِلَافَ كُلٍّ، أَوْ جُزْءٍ، نَحْوَ (أَرْشِدْنَا) وَاهْدِنَا وَالْعِهْنِ وَ (الصُّوفِ) وَ (ذَقْيَةً) وَصَيْحَةً وَخُطُوَاتِ، وَ (خُطْوَاتِ) وَهُزُوًا وَ (هُزًّا وَهُزُؤًا) ، كَمَا مَثَّلَ فِي الْحَدِيثِ: هَلُمَّ، وَتَعَالَ، وَأَقْبِلْ.

(وَالثَّانِي) مَا اخْتَلَفَ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ نَحْوَ (قَالَ رَبِّ) وَقُلْ رَبِّ وَلَنُبَوِّئَنَّهُمْ وَ (لَنُثْوِيَنَّهُمْ) وَيَخْدَعُونَ وَ (يُخَادِعُونَ) وَ (يَكْذِبُونَ وَيُكَذِّبُونَ) وَ (اتَّخَذُوا) وَاتَّخِذُوا وَكَذَّبُوا وَ (كُذِّبُوا) وَلِتَزُولَ وَ (لَتَزُولُ) . وَبَقِيَ مَا اتَّحَدَ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ مِمَّا يَتَنَوَّعُ صِفَةُ النُّطْقِ بِهِ كَالْمَدَّاتِ وَتَخْفِيفِ الْهَمَزَاتِ وَالْإِظْهَارِ وَالْإِدْغَامِ وَالرَّوْمِ وَالْإِشْمَامِ وَتَرْقِيقِ الرَّاءَاتِ وَتَفْخِيمِ اللَّامَاتِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُعَبِّرُ عَنْهُ الْقُرَّاءُ بِالْأُصُولِ، فَهَذَا عِنْدَنَا لَيْسَ مِنَ الِاخْتِلَافِ الَّذِي يَتَنَوَّعُ فِيهِ اللَّفْظُ، أَوِ الْمَعْنَى ; لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْمُتَنَوِّعَةَ فِي أَدَائِهِ لَا تُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَفْظًا وَاحِدًا وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ: وَالسَّبْعَةُ مُتَوَاتِرَةٌ فِيمَا لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْأَدَاءِ: كَالْمَدِّ، وَالْإِمَالَةِ، وَتَخْفِيفِ الْهَمْزِ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ وَإِنْ أَصَابَ فِي تَفْرِقَتِهِ بَيْنَ الْخِلَافَيْنِ فِي ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فَهُوَ وَاهِمٌ فِي تَفْرِقَتِهِ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ نَقْلِهِ وَقَطْعِهِ بِتَوَاتُرِ الِاخْتِلَافِ اللَّفْظِيِّ دُونَ الْأَدَائِيِّ، بَلْ هُمَا فِي نَقْلِهِمَا وَاحِدٌ وَإِذَا ثَبَتَ تَوَاتُرُ ذَلِكَ كَانَ تَوَاتُرُ هَذَا مِنْ بَابٍ أَوْلَى، إِذِ اللَّفْظُ لَا يَقُومُ إِلَّا بِهِ، أَوْ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِوُجُودِهِ وَقَدْ نَصَّ عَلَى تَوَاتُرِ ذَلِكَ كُلِّهِ أَئِمَّةُ الْأُصُولِ كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ الْبَاقِلَّانِيِّ فِي كِتَابَهِ الِانْتِصَارِ وَغَيْرِهِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَقَدَّمَ ابْنَ الْحَاجِبِ إِلَى ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. نَعَمْ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الِاخْتِلَافِ هُوَ دَخَلٌ فِي الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ لَا أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْهَا.

(وَأَمَّا) هَلْ هَذِهِ السَّبْعَةُ الْأَحْرُفُ مُتَفَرِّقَةٌ فِي الْقُرْآنِ، فَلَا شَكَّ عِنْدِنَا فِي أَنَّهَا مُتَفَرِّقَةٌ فِيهِ، بَلْ وَفِي كُلِّ رِوَايَةٍ وَقِرَاءَةٍ بِاعْتِبَارِ مَا قَرَّرْنَاهُ فِي وَجْهِ كَوْنِهَا سَبْعَةَ أَحْرُفٍ لَا أَنَّهَا مُنْحَصِرَةٌ فِي قِرَاءَةِ خَتْمَةٍ وَتِلَاوَةِ رِوَايَةٍ، فَمَنْ قَرَأَ وَلَوْ بَعْضَ الْقُرْآنِ بِقِرَاءَةٍ مُعَيَّنَةٍ اشْتَمَلَتْ عَلَى الْأَوْجُهِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ قَدْ قَرَأَ بِالْأَوْجُهِ السَّبْعَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا دُونَ أَنْ يَكُونَ قَرَأَ بِكُلِّ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ.

(وَأَمَّا) قَوْلُ أَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ إِنَّ الْأَحْرُفَ السَّبْعَةَ لَيْسَتْ مُتَفَرِّقَةً فِي الْقُرْآنِ كُلَّهَا وَلَا مَوْجُودَةً فِيهِ فِي خَتْمَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ بَعْضِهَا. فَإِذَا قَرَأَ الْقَارِئُ بِقِرَاءَةٍ مِنَ الْقِرَاءَاتِ، أَوْ رِوَايَةٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ فَإِنَّمَا قَرَأَ بِبَعْضِهَا لَا بِكُلِّهَا، فَإِنَّهُ صَحِيحٌ عَلَى مَا أَصْلُهُ مِنْ أَنَّ الْأَحْرُفَ هِيَ اللُّغَاتُ الْمُخْتَلِفَاتُ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَنْ قَرَأَ بِرِوَايَةٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُحَرِّكَ الْحَرْفَ وَيُسَكِّنَهُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ يَرْفَعَهُ وَيَنْصِبَهُ، أَوْ يُقَدِّمَهُ وَيُؤَخِّرَهُ فَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَهُ.

(وَأَمَّا) كَوْنُ الْمَصَاحِفِ الْعُثْمَانِيَّةِ مُشْتَمِلَةً عَلَى جَمِيعِ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ، فَإِنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ كَبِيرَةٌ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا: فَذَهَبَ جَمَاعَاتٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْقُرَّاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنَّ الْمَصَاحِفَ الْعُثْمَانِيَّةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى جَمِيعِ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ، وَبَنَوْا ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْأُمَّةِ أَنْ تُهْمِلَ نَقْلَ شَيْءٍ مِنَ الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ الَّتِي نَزَلَ الْقُرْآنُ بِهَا، وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى نَقْلِ الْمَصَاحِفِ الْعُثْمَانِيَّةِ مِنَ الصُّحُفِ الَّتِي كَتَبَهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَإِرْسَالِ كُلِّ مُصْحَفٍ مِنْهَا إِلَى مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ وَأَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ مَا سِوَى ذَلِكَ، قَالَ هَؤُلَاءِ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْهَى عَنِ الْقِرَاءَةِ بِبَعْضِ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ وَلَا أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَصَاحِفَ الْعُثْمَانِيَّةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ رَسْمُهَا مِنَ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ فَقَطْ جَامِعَةٌ لِلْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي عَرَضَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى جِبْرَائِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُتَضَمِّنَةٌ لَهَا لَمْ تَتْرُكْ حَرْفًا مِنْهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت