فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 6201

ولا يَقْدَحُ فِي هَذَا الْأَصْلِ لِقَوْلِ مَعْمَرٍ عَنْهُ- فِيمَا بَلَغَنَا - وَلَمْ يُسْنِدْهُ وَلَا ذَكَرَ رُوَاتَهُ، وَلَا مَنْ حَدَّثَ بِهِ، وَلَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ، وَلَا يُعْرَفُ مِثْلُ هَذَا إِلَّا مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ الْأَمْرِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، أَوْ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ تَكْذِيبِ مَنْ بَلَّغَهُ.

كَمَا قَالَ تَعَالَى: «فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً» .

وَيُصَحِّحُ مَعْنَى هَذَا التَّأْوِيلِ حَدِيثٌ رَوَاهُ شَرِيكٌ عن عبد الله بن محمد بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ:

أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا اجْتَمَعُوا بِدَارِ النَّدْوَةِ لِلتَّشَاوُرِ فِي شَأْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يَقُولُوا إِنَّهُ سَاحِرٌ .. اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَتَزَمَّلَ فِي ثِيَابِهِ وَتَدَثَّرَ فيها .. فأتاه جبريل فقال: يا أيها المزمل يا أيها الْمُدَّثِّرِ».

أَوْ خَافَ أَنَّ الْفَتْرَةَ لِأَمْرٍ أَوْ سَبَبٍ مِنْهُ فَخَشِيَ أَنْ تَكُونَ عُقُوبَةً مِنْ رَبِّهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَرِدْ بَعْدُ شَرْعٌ بِالنَّهْي عَنْ ذَلِكَ فَيُعْتَرَضَ بِهِ وَنَحْوُ هَذَا فِرَارُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَشْيَةَ تَكْذِيبِ قَوْمِهِ لَهُ لِمَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ.

وَقَوْلُ اللَّهِ فِي يُونُسَ: «فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ» معناه أن لن نضيّق عليه فأستغفر الله كل يوم مئة مَرَّةٍ» - وَفِي طَرِيقٍ - «فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» .

فَاحْذَرْ أَنْ يَقَعَ بِبَالِكَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْغَيْنُ وَسْوَسَةً أَوْ رَيْبًا وَقَعَ في قلبه صلّى الله عليه وسلم، بَلْ أَصْلُ الْغَيْنِ فِي هَذَا مَا يَتَغَشَّى الْقَلْبَ وَيُغَطِّيهِ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ - وَأَصْلُهُ مِنْ «غَيْنِ السَّمَاءِ» وَهُوَ إِطْبَاقُ الْغَيْمِ عَلَيْهَا

وَقَالَ غَيْرُهُ «وَالْغَيْنُ» شَيْءٌ يُغَشِّي الْقَلْبَ وَلَا يُغَطِّيهِ كُلَّ التَّغْطِيَةِ كَالْغَيْمِ الرَّقِيقِ الَّذِي يَعْرِضُ فِي الْهَوَاءِ فَلَا يَمْنَعُ ضَوْءَ الشَّمْسِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت