فهرس الكتاب

الصفحة 1904 من 6201

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْنَا، وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانَ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} مَا ذَكَرْنَا؛ فَتَبَيَّنَ أَنَّ فِيَ الْكَلَامِ مَتْرُوكًا تُرِكَ ذِكْرُهُ اكْتِفَاءً بِمَا ذُكِرَ مِنْهُ، وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ} مِنَ السِّحْرِ {عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} فَتُضِيفُهُ إِلَى سُلَيْمَانَ.

{وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانَ} فَيَعْمَلُ بِالسِّحْرِ {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} .

وَقَدْ كَانَ قَتَادَةُ يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانَ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا}

يَقُولُ:"مَا كَانَ عَنْ مَشُورَتِهِ، وَلَا عَنْ رِضًى مِنْهُ؛ وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ افْتَعَلَتْهُ الشَّيَاطِينُ دُونَهُ"

وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى اخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي مَعْنَى (تَتْلُو) وَتَوْجِيهُ مَنْ وَجَّهَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ تَتْلُوا بِمَعْنَى تَلَتْ، إِذْ كَانَ الَّذِي قَبْلَهُ خَبَرًا مَاضِيًا وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَاتَّبَعُوا}

وَتَوْجِيهُ الَّذِينَ وَجَّهُوا ذَلِكَ إِلَى خِلَافِ ذَلِكَ. وَبَيَّنَّا فِيهِ وَفِي نَظِيرِهِ الصَّوَابَ مِنَ الْقَوْلِ.

وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ: {مَا تَتْلُوا}

فَإِنَّهُ بِمَعْنَى الَّذِي تَتْلُو وَهُوَ السِّحْرُ.

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَلَعَلَّ قَائِلًا أَنْ يَقُولَ: أَوَمَا كَانَ السِّحْرُ إِلَّا أَيَّامَ سُلَيْمَانَ؟

قِيلَ لَهُ: بَلَى قَدْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ مَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ، وَقَدْ كَانُوا قَبْلَ سُلَيْمَانَ، وَأَخْبَرَ عَنْ قَوْمِ نُوحٍ أَنَّهُمْ قَالُوا لِنُوحٍ إِنَّهُ سَاحِرٌ؛ قَالَ: فَكَيْفَ أَخْبَرَ عَنِ الْيَهُودِ أَنَّهُمُ اتَّبِعُوا مَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِينُ عَلَى عَهْدِ سُلَيْمَانَ؟

قِيلَ: لِأَنَّهُمْ أَضَافُوا ذَلِكَ إِلَى سُلَيْمَانَ عَلَى مَا قَدْ قَدَّمْنَا الْبَيَانَ عَنْهُ، فَأَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ تَبْرِئَةَ سُلَيْمَانَ مِمَّا نَحَلُوهُ وَأَضَافُوا إِلَيْهِ مِمَّا كَانُوا وَجَدُوهُ، إِمَّا فِي خَزَائِنِهِ وَإِمَّا تَحْتَ كُرْسِيِّهِ، عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ الَّتِي قَدْ ذَكَرْنَاهَا مِنْ ذَلِكَ. فَحُصِرَ الْخَبَرُ عَمَّا كَانَتِ الْيَهُودُ اتَّبَعَتْهُ فِيمَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِينُ أَيَّامَ سُلَيْمَانَ دُونَ غَيْرِهِ لِذَلِكَ السَّبَبِ. وَإِنْ كَانَ الشَّيَاطِينُ قَدْ كَانَتْ تَالِيَةً لِلسِّحْرِ وَالْكُفْرِ قَبْلَ ذَلِكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت