عَنْ كَعْبٍ، قَالَ:"ذَكَرَتِ الْمَلَائِكَةُ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ وَمَا يَأْتُونَ مِنَ الذُّنُوبِ، فَقِيلَ لَهُمُ: اخْتَارُوا مِنْكُمُ اثْنَيْنِ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى فِي حَدِيثِهِ: اخْتَارُوا مَلَكَيْنِ فَاخْتَارُوا هَارُوتَ وَمَارُوتَ، فَقِيلَ لَهُمَا: إِنِّي أُرْسِلُ إِلَى بَنِي آدَمَ رُسُلًا، وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ رَسُولٌ، انْزِلَا لَا تُشْرِكَا بِي شَيْئًا، وَلَا تَزْنِيَا، وَلَا تَشْرَبَا الْخَمْرَ"قَالَ كَعْبٌ: فَوَاللَّهِ مَا أَمْسَيَا مِنْ يَوْمِهِمَا الَّذِي أُهْبِطَا فِيهِ إِلَى الْأَرْضِ، حَتَّى اسْتَكْمَلَا جَمِيعَ مَا نُهِيَا عَنْهُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى فِي حَدِيثِهِ: فَمَا اسْتَكْمَلَا يَوْمَهُمَا الَّذِي أُنْزِلَا فِيهِ حَتَّى عَمِلَا مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا.
عَنِ الرَّبِيعِ، قَالَ:"لَمَّا وَقَعَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِ آدَمَ فِيمَا وَقَعُوا فِيهِ مِنَ الْمَعَاصِي وَالْكُفْرِ بِاللَّهِ، قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ: أَيْ رَبِّ، هَذَا الْعَالَمُ إِنَّمَا خَلَقْتَهُمْ لِعِبَادَتِكَ وَطَاعَتِكَ، وَقَدْ رَكِبُوا الْكُفْرَ، وَقَتْلَ النَّفْسِ الْحَرَامِ، وَأَكْلَ الْمَالِ الْحَرَامِ، وَالسَّرِقَةَ، وَالزِّنَا، وَشُرْبَ الْخَمْرِ. فَجَعَلُوا يَدْعُونَ عَلَيْهِمْ وَلَا يَعْذِرُونَهُمْ. فَقِيلَ لَهُمْ: إِنَّهُمْ فِي غَيْبٍ، فَلَمْ يَعْذِرُوهُمْ، فَقِيلَ لَهُمُ: اخْتَارُوا مِنْكُمْ مَلَكَيْنِ آمْرُهُمَا بِأَمْرِي وَأَنْهَاهُمَا عَنْ مَعْصِيَتِي. فَاخْتَارُوا هَارُوتَ وَمَارُوتَ، فَأُهْبِطَا إِلَى الْأَرْضِ، وَجُعِلَ بِهِمَا شَهَوَاتُ بَنِي آدَمَ، وَأُمِرَا أَنْ يَعْبُدَا اللَّهَ وَلَا يُشْرِكَا بِهِ شَيْئًا، وَنُهِيَا عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ الْحَرَامِ، وَأَكْلِ الْمَالِ الْحَرَامِ، وَالسَّرِقَةِ وَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ. فَلَبِثَا عَلَى ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ زَمَانًا يَحْكُمَانِ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ، وَذَلِكَ فِي زَمَانِ إِدْرِيسَ، وَفِي ذَلِكَ الزَّمَانِ امْرَأَةٌ حُسْنُهَا فِي سَائِرِ النَّاسِ كَحُسْنِ الزُّهَرَةِ فِي سَائِرِ الْكَوْكَبِ. وَإِنَّهَا أَتَتْ عَلَيْهِمَا فَخَضَعَا لَهَا بِالْقَوْلِ، وَأَرَادَاهَا عَلَى نَفْسِهَا، وَإِنَّهَا أَبَتْ إِلَّا أَنْ يَكُونَا عَلَى أَمْرِهَا وَدِينِهَا، وَإِنَّهُمَا سَأَلَاهَا عَنْ دِينِهَا الَّتِي هِيَ عَلَيْهِ، فَأَخْرَجَتْ لَهُمَا صَنَمًا وَقَالَتْ: هَذَا أَعْبُدُ. فَقَالَا: لَا حَاجَةَ لَنَا فِي عِبَادَةِ هَذَا. فَذَهَبَا فَصَبِرَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَتَيَا عَلَيْهَا فَخَضَعَا لَهَا بِالْقَوْلِ وَأَرَادَاهَا عَلَى نَفْسِهَا. فَقَالَتْ: لَا إِلَّا أَنْ تَكُونَا عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ. فَقَالَا: لَا حَاجَةَ لَنَا فِي عِبَادَةِ هَذَا. فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهُمَا أَبَيَا أَنْ يَعْبُدَا الصَّنَمَ، قَالَتْ لَهُمَا: اخْتَارَا إِحْدَى الْخِلَالِ الثَّلَاثِ: إِمَّا أَنْ تُعْبُدَا الصَّنَمَ، أَوْ تَقْتُلَا النَّفْسَ، أَوْ تَشْرَبَا الْخَمْرَ. فَقَالَا: كُلُّ هَذَا لَا يَنْبَغِي، وَأَهْوَنُ الثَّلَاثَةِ شُرْبُ الْخَمْرِ. فَسَقَتْهُمَا الْخَمْرَ، حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْخَمْرُ فِيهِمَا وَقَعَا بِهَا، فَمَرَّ بِهِمَا إِنْسَانٌ وَهُمَا فِي ذَلِكَ، فَخَشِيَا أَنْ يُفْشِيَ عَلَيْهِمَا فَقَتَلَاهُ. فَلَمَّا أَنْ ذَهَبَ عَنْهُمَا السُّكْرُ عَرَفَا مَا وَقَعَا فِيهِ مِنَ الْخَطِيئَةِ وَأَرَادَا أَنْ يَصْعَدَا إِلَى السَّمَاءِ فَلَمْ يَسْتَطِيعَا، فَحِيلَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَكُشِفَ الْغِطَاءُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ أَهْلِ السَّمَاءِ. فَنَظَرَتِ الْمَلَائِكَةُ إِلَى مَا وَقَعَا فِيهِ مِنَ الذَّنْبِ، فَعَجِبُوا كُلَّ الْعَجَبِ، وَعَلِمُوا أَنَّ مَنْ كَانَ فِي غَيْبٍ فَهُوَ أَقَلُّ غَشْيَةً، فَجَعَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ. وَإِنَّهُمَا لَمَّا وَقَعَا فِيمَا وَقَعَا فِيهِ مِنَ الْخَطِيئَةِ، قِيلَ لَهُمَا: اخْتَارَا عَذَابَ الدُّنْيَا أَوْ عَذَابَ الْآخِرَةِ. فَقَالَا: أَمَّا عَذَابُ الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يَنْقَطِعُ، وَأَمَّا عَذَابُ الْآخِرَةِ فَلَا انْقِطَاعَ لَهُ. فَاخْتَارَا عَذَابَ الدُّنْيَا، فَجُعِلَا بِبَابِلَ، فَهُمَا يُعَذَّبَانِ"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
= وقال - أيضا - عند قوله تعالى: (قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(30) :
الْقِصَّةُ الَّتِي ذَكَرُوهَا بَاطِلَةٌ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي الْقِصَّةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لَهُمَا لَوِ ابْتَلَيْتُكُمَا بِمَا ابْتَلَيْتُ بِهِ بَنِي آدَمَ لَعَصَيْتُمَانِي، فَقَالَا لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ بِنَا يَا رَبِّ لَمَا عَصَيْنَاكَ، وَهَذَا مِنْهُمْ تَكْذِيبٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَتَجْهِيلٌ لَهُ، وَذَلِكَ مِنْ صَرِيحِ الْكُفْرِ، وَالْحَشْوِيَّةُ سَلَّمُوا أَنَّهُمَا كَانَا قَبْلَ الْهُبُوطِ إِلَى الْأَرْضِ مَعْصُومَيْنِ.
وَثَانِيهَا: فِي الْقِصَّةِ أَنَّهُمَا خُيِّرَا بَيْنَ عَذَابِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ وَذَلِكَ فَاسِدٌ بَلْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُخَيَّرَا بَيْنَ التَّوْبَةِ وَبَيْنَ الْعَذَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى خير بينهما من أشرك به طول عمره وَبَالَغَ فِي إِيذَاءِ أَنْبِيَائِهِ.
وَثَالِثُهَا: فِي الْقِصَّةِ أَنَّهُمَا يُعَلِّمَانِ السِّحْرَ حَالَ كَوْنِهِمَا مُعَذَّبَيْنِ وَيَدْعُوَانِ إِلَيْهِ وَهُمَا مُعَاقَبَانِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ.
وَرَابِعُهَا: أَنَّ الْمَرْأَةَ الْفَاجِرَةَ كَيْفَ يُعْقَلُ أَنَّهَا لَمَّا فَجَرَتْ صَعِدَتْ إِلَى السَّمَاءِ وَجَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى كَوْكَبًا مُضِيئًا وَعَظَّمَ قَدْرَهُ بِحَيْثُ أَقْسَمَ بِهِ حَيْثُ قال: (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ) [التَّكْوِيرِ: 15] فَهَذِهِ الْقِصَّةُ قِصَّةٌ رَكِيكَةٌ يَشْهَدُ كُلُّ عَقْلٍ سَلِيمٍ بِنِهَايَةِ رَكَاكَتِهَا. اهـ (مفاتيح الغيب. 2/ 393) . =