فهرس الكتاب

الصفحة 2200 من 6201

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا خَصَّ الْخَبَرَ عَنِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِأَنَّهُمَا لَهُ مِلْكًا وَإِنْ كَانَ لَا شَيْءَ إِلَّا وَهُوَ لَهُ مِلْكٌ؛ إِعْلَامًا مِنْهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ لَهُ مِلْكَهُمَا وَمِلْكُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْخَلْقِ، وَأَنَّ عَلَى جَمِيعِهِمْ إِذْ كَانَ لَهُ مُلْكُهُمْ طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ، وَفِيمَا فَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَرَائِضِ، وَالتَّوَجِّهِ نَحْوَ الْوَجْهِ الَّذِي وُجِّهُوا إِلَيْهِ، إِذْ كَانَ مِنْ حُكْمِ الْمَمَالِيكِ طَاعَةُ مَالِكِهِمْ. فَأَخْرَجَ الْخَبَرَ عَنِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مِنْ بَيْنَهُمَا مِنَ الْخَلْقِ، عَلَى النَّحْوِ الَّذِي قَدْ بَيَّنْتُ مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِالْخَبَرِ عَنْ سَبَبِ الشَّيْءِ مِنْ ذِكْرِهِ وَالْخَبَرِ عَنْهُ، كَمَا قِيلَ: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ}

وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.

وَمَعْنَى الْآيَةِ إِذًا: وَلِلَّهِ مُلْكُ الْخَلْقِ الَّذِي بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ يَتَعَبَّدُهُمْ بِمَا شَاءَ، وَيَحْكُمُ فِيهِمْ مَا يُرِيدُ عَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ؛ فَوَلُّوا وجُوهَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ نَحْوَ وَجْهِي، فَإِنَّكُمْ أَيْنَمَا تُوَلُّوا وجُوهَكُمْ فَهُنَالِكَ وَجْهِي.

فَأَمَّا الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ نَاسِخَةٌ أَمْ مَنْسُوخَةٌ، أَمْ لَا هِيَ نَاسِخَةٌ وَلَا مَنْسُوخَةٌ؟

فَالصَّوَابُ فِيهِ مِنَ الْقَوْلِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا جَاءَتْ مَجِيءَ الْعُمُومِ، وَالْمُرَادُ الْخَاصُّ؛ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}

مُحْتَمِلٌ: أَيْنَمَا تُوَلُّوا فِي حَالِ سَيْرِكُمْ فِي أَسْفَارِكُمْ، فِي صَلَاتِكُمُ التَّطَوُّعَ، وَفِي حَالِ مُسَايَفِتِكُمْ عَدُوَّكُمْ، فِي تَطَوُّعِكُمْ وَمَكْتُوبَتِكُمْ، فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ؛ كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَالنَّخَعِيُّ وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ مِمَّنْ ذَكَرْنَا عَنْهُ آنِفًا.

وَمُحْتَمَلٌ: فَأَيْنَمَا تَوَلَّوْا مِنْ أَرْضِ اللَّهِ فَتَكُونُوا بِهَا فَثَمَّ قِبْلَةُ اللَّهِ الَّتِي تُوَجِّهُونَ وجُوهَكُمْ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْكَعْبَةَ مُمْكِنٌ لَكُمُ التَّوَجُّهُ إِلَيْهَا مِنْهَا.

وَمُحْتَمَلٌ: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا وجُوهَكُمْ فِي دُعَائِكُمْ فَهُنَالِكَ وَجْهِي أَسْتَجِيبُ لَكُمْ دُعَاءَكُمْ.

فَإِذَا كَانَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}

مُحْتَمِلًا مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَوْجُهِ، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَزْعُمَ أَنَّهَا نَاسِخَةٌ أَوْ مَنْسُوخَةٌ إِلَّا بِحَجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا؛ لِأَنَّ النَّاسِخَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَنْسُوخٍ، وَلَمْ تَقُمُّ حُجَّةٌ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا بِأَنَّ قَوْلَهُ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}

مَعْنِيٌّ بِهِ: فَأَيْنَمَا تُوَجِّهُوا وجُوهَكُمْ فِي صَلَاتِكُمْ فَثَمَّ قِبْلَتُكُمْ. وَلَا أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَمْرًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ بِهَا أَنْ يَتَوَجَّهُوا نَحْوَ الْكَعْبَةِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هِيَ نَاسِخَةٌ الصَّلَاةَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ؛ إِذْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَئِمَّةِ التَّابِعِينَ مَنْ يُنْكِرُ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى. وَلَا خَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَابِتٌ بِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ، وَكَانَ الِاخْتِلَافُ فِي أَمْرِهَا مَوْجُودًا عَلَى مَا وَصَفْتُ. وَلَا هِيَ إِذْ لَمْ تَكُنْ نَاسِخَةً لِمَا وَصَفْنَا قَامَتْ حُجَّتُهَا بِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، إِذْ كَانَتْ مُحْتَمِلَةً مَا وَصَفْنَا بِأَنْ تَكُونَ جَاءَتْ بِعُمُومٍ، وَمَعْنَاهَا: فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ إِنْ كَانَ عُنِيَ بِهَا التَّوَجُّهُ فِي الصَّلَاةِ، وَفِي كُلِّ حَالٍ إِنْ كَانَ عُنِيَ بِهَا الدُّعَاءُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْنَا.

وَقَدْ دَلَّلْنَا فِي كِتَابِنَا: «كِتَابِ الْبَيَانِ عَنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ» ، عَلَى أَنْ لَا نَاسِخَ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ وَأَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مَا نَفَى حُكْمًا ثَابِتًا، وَأُلْزِمَ الْعِبَادُ فَرْضَهُ غَيْرَ مُحْتَمِلٍ بِظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ غَيْرَ ذَلِكَ.

فَأَمَّا إِذَا مَا احْتَمَلَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ أَوِ الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ، أَوِ الْمُجْمَلِ، أَوِ الْمُفَسَّرِ، فَمِنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ بِمَعْزِلٍ، بِمَا أَغْنَى عَنْ تَكْرِيرِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. وَلَا مَنْسُوخَ إِلَّا الْمَنْفِيَّ الَّذِي كَانَ قَدْ ثَبَتَ حُكْمُهُ وَفَرْضُهُ، وَلَمْ يَصِحَّ وَاحِدٌ مِنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ لِقَوْلِهِ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}

بِحَجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا، فَيُقَالَ فِيهِ: هُوَ نَاسِخٌ أَوْ مَنْسُوخٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت