عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَلَا يَتَحَوَّلَنَّ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ»
فَمَعْلُومٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ لَمْ يَعْنِ بِقَوْلِهِ هَذَا: مَنْ قَرَأَ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْي، فَلَا يَتَحَوَّلَنَّ مِنْهُ إِلَى قِرَاءَةِ مَا فِيهِ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَمَنْ قَرَأَ مَا فِيهِ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، فَلَا يَتَحَوَّلَنَّ مِنْهُ إِلَى قِرَاءَةِ مَا فِيهِ مِنَ الْقَصَصِ وَالْمُثُلِ، وَإِنَّمَا عَنَى رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، أَنَّ مَنَ قَرَأَ بِحُرُفِهِ، وَحُرُفُهُ: قِرَاءَتُهُ.
وَكَذَلِكَ تَقُولُ الْعَرَبُ لِقِرَاءَةِ رَجُلٍ: حَرْفُ فُلَانٍ، وَتَقُولُ لِلْحَرْفِ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ الْمُقَطَّعَةِ: حَرْفٌ، كَمَا تَقُولُ لِقَصِيدَةٍ مِنْ قَصَائِدِ الشَّاعِرِ: كَلِمَةُ فُلَانٍ. فَلَا يَتَحَوَّلَنَّ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ رَغْبَةً عَنْهُ. وَمَنْ قَرَأَ بِحَرْفِ أُبَيٍّ، أَوْ بِحَرْفٍ زَيْدٍ، أَوْ بِحَرْفِ بَعْضِ مَنْ قَرَأَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِبَعْضِ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ، فَلَا يَتَحَوَّلَنَّ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ رَغْبَةً عَنْهُ، فَإِنَّ الْكُفْرَ بِبَعْضِهِ كُفْرٌ بِجَمِيعِهِ، وَالْكُفْرَ بِحَرْفٍ مِنْ ذَلِكَ كُفْرٌ بِجَمِيعِهِ، يَعْنِي بِالْحَرْفِ مَا وَصَفْنَا مِنْ قِرَاءَةِ بَعْضِ مَنْ قَرَأَ بِبَعْضِ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ وَقَدْ [روي] عَنِ الْأَعْمَشِ، قَالَ: قَرَأَ أَنَسٌ هَذِهِ الْآيَةَ: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَصْوَبُ قِيلًا) ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ: يَا أَبَا حَمْزَةَ إِنَّمَا هِيَ وَأَقْوَمُ فَقَالَ: «أَقْوَمُ وَأَصْوَبُ وَأَهْدَى، وَاحِدٌ»
عَنْ مُجَاهِدٍ: «أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى خَمْسَةِ أَحْرُفٍ»
عَنْ سَالِمٍ: أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ «كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفَيْنِ»
عَنْ مُغِيرَةَ، قَالَ: كَانَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ «يَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ»
أَفَتَرَى الزَّاعِمُ أَنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» إِنَّمَا هُوَ أَنَّهُ نَزَلَ عَلَى الْأَوْجُهِ السَّبْعَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا مِنَ الْأَمْرِ، وَالنَّهْيِ، وَالْوَعْدِ، وَالْوَعِيدِ، وَالْجَدَلِ، وَالْقَصَصِ، وَالْمَثَلِ، كَانَ يَرَى أَنَّ مُجَاهِدًا وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، لَمْ يَقْرَأَا مِنَ الْقُرْآنِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ وَجْهَيْهِ، أَوْ وُجُوهِهِ الْخَمْسَةِ، دُونَ سَائِرِ مَعَانِيهِ؟ لَئِنْ كَانَ ظَنَّ ذَلِكَ بِهِمَا لَقَدْ ظَنَّ بِهِمَا غَيْرَ الَّذِي يُعْرَفَانِ بِهِ، مِنْ مَنَازِلِهِمَا مِنَ الْقُرْآنِ، وَمَعْرِفَتِهِمَا بِآيِ الْفُرْقَانِ.
عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ:"نُبِّئْتُ أَنَّ جَبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، أَتَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ جَبْرَائِيلُ: اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفَيْنِ. فَقَالَ لَهُ مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ فَقَالَ: اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ. فَقَالَ لَهُ مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ. قَالَ: حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ"قَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تَخْتَلِفُ فِي حَلَالٍ، وَلَا حَرَامٍ، وَلَا أَمْرٍ، وَلَا نَهَيٍ، هُوَ كَقَوْلِكَ: تَعَالَ وَهَلُمَّ وَأَقْبِلْ.
قَالَ: وَفِي قِرَاءَتِنَا: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً}
[يس: 29] ، وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «إِنْ كَانَتْ إِلَّا زَقْيَةً وَاحِدَةً»
[عن] شُعَيْبٍ، يَعْنِي ابْنَ الْحَبْحَابِ، قَالَ: كَانَ أَبُو الْعَالِيَةِ إِذَا قَرَأَ عِنْدَهُ رَجُلٌ، لَمْ يَقُلْ: لَيْسَ كَمَا يَقْرَأُ وَإِنَّمَا يَقُولُ: أَمَّا أَنَا فَأَقْرَأُ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، فَقَالَ: «أَرَى صَاحِبَكَ قَدْ سَمِعَ أَنَّ مَنْ كَفَرَ بِحَرْفٍ مِنْهُ، فَقَدْ كَفَرَ بِهِ كُلِّهِ»
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «مَنْ كَفَرَ بِحَرْفٍ مِنَ الْقُرْآنِ، أَوْ بِآيَةٍ مِنْهُ، فَقَدْ كَفَرَ بِهِ كُلِّهِ»