وقال عبد العزيز بن محمد: قنطرة البردان محظوظة من العلماء النحويين، كان فيها أبو عبيد القاسم بن سلام ومسجده وراء سويقة جعفر معروف به، وكان فيها علّان الأزدي ومسجده في هذا الموضع معروف به، وكان أبو بكر هشام بن معاوية الضرير النحوي وكان فاضلا مسجده عند مسجد أبي عبد الله الكسائي، وكان بها أبو عبيد الله محمد بن يحيى الكسائي وعنه انتشرت رواية أبي الحارث عن الكسائي وقرأ عليه كبار الناس، ونزلها أبو جعفر الطبري وكان أبو جعفر قد نظر في المنطق والحساب والجبر والمقابلة وكثير من فنون أبواب الحساب وفي الطب، وأخذ منه قسطا وافرا يدلّ عليه كلامه من الوصايا.
وكان ظلفا عن الدنيا تاركا لها ولأهلها يرفع نفسه عن التماسها، وكان كالقارئ الذي لا يعرف إلا القرآن، وكالمحدّث الذي لا يعرف إلا الحديث، وكالفقيه الذي لا يعرف إلا الفقه، وكالنحويّ الذي لا يعرف إلا النحو، وكالحاسب الذي لا يعرف إلا الحساب، وكان عاملا للعبادات جامعا للعلوم، وإذا جمعت بين كتبه وكتب غيره وجدت لكتبه فضلا على غيرها.
ومن كتبه: كتابه المسمى جامع البيان عن تأويل القرآن، قال أبو بكر ابن كامل: أملى علينا كتاب التفسير مائة وخمسين آية ثم خرج بعد ذلك إلى آخر القرآن فقرأه علينا وذلك في سنة سبعين ومائتين، واشتهر الكتاب وارتفع ذكره، وأبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب وأبو العباس محمد بن يزيد المبرد يحييان، ولأهل الإعراب والمعاني معقلان، وكان أيضا في الوقت غيرهما مثل أبي جعفر الرستمي وأبي الحسن ابن كيسان والمفضل بن سلمة والجعد وأبو إسحاق الزجاج وغيرهم من النحويين من فرسان هذا اللسان، وحمل هذا الكتاب مشرقا ومغربا وقرأه كل من كان في وقته من العلماء وكلّ فضّله وقدمه.
قال أبو جعفر: حدثتني به نفسي وأنا صبي.
قال عبد العزيز بن محمد الطبري: كان أبو عمر الزاهد يعيش زمانا طويلا بمقابلة الكتب مع الناس، قال أبو عمر: فسألت أبا جعفر عن تفسير آية فقال: قابل بهذا الكتاب من أوله إلى آخره قلت: فقابلت فما وجدت فيه حرفا واحدا خطأ في نحو ولا لغة.
قال أبو جعفر: استخرت الله تعالى في عمل كتاب التفسير وسألته العون على ما نويته ثلاث سنين قبل أن أعمله فأعانني.
وقال أبو محمد عبد الله بن أحمد بن جعفر الفرغاني: أخبرني شيخ من جسر ابن عفيف قال: رأيت في النوم كأني في مجلس أبي جعفر والناس يقرؤون عليه كتاب التفسير، فسمعت هاتفا بين السماء والأرض يقول: من أراد أن يسمع القرآن كما أنزل فليسمع هذا الكتاب.
وقال أبو بكر محمد بن مجاهد: سمعت أبا جعفر يقول: إني أعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله كيف يلتذ بقراءته.
وكتاب التفسير كتاب ابتدأه بخطبة ورسالة في التفسير تدل على ما خصّ الله به القرآن العزيز من البلاغة والإعجاز والفصاحة التي نافى بها سائر الكلام، ثم ذكر من مقدمات الكلام في التفسير، وفي وجوه تأويل القرآن وما يعلم تأويله، وما ورد في جواز تفسيره، وما حظر من ذلك، والكلام في قول النبي صلى الله عليه وسلم أنزل القرآن على سبعة أحرف، وبأي الألسنة نزل، والرد على من قال إن فيه أشياء من غير الكلام العربي، وتفسير أسماء القرآن والسور، وغير ذلك مما قدمه، ثم تلاه بتأويل القرآن حرفا حرفا، فذكر أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من تابعي التابعين وكلام أهل الإعراب من الكوفيين والبصريين، وجملا من القراءات، واختلاف القراءة فيما فيه من المصادر واللغات والجمع والتثنية، والكلام في ناسخه ومنسوخه، واحكام القرآن والخلاف فيه والردّ عليهم من كلام أهل النظر فيما تكلم فيه بعض أهل البدع، والرد عليهم على مذاهب أهل الإثبات ومبتغي السنن، إلى آخر القرآن، ثم اتبعه بتفسير أبي جاد وحروفها، وخلاف الناس فيها، وما اختاره من تأويلها بما لا يقدر أحد أن يزيد فيه، بل لا يراه مجموعا لأحد غيره.
وكان إذا رجع إلى التاريخ والسير وأخبار العرب حكى عن محمد بن السائب الكلبي وعن ابنه هشام وعن محمد بن عمر الواقدي وغيرهم فيما يفتقر إليه ولا يؤخذ إلا عنهم، وذكر فيه مجموع الكلام والمعاني من كتاب علي بن حمزة الكسائي ومن كتاب يحيى بن زياد الفراء ومن كتاب أبي الحسن الأخفش ومن كتاب أبي علي قطرب وغيرهم مما يقتضيه الكلام عند حاجته إليه، إذ كانوا هؤلاء هم المتكلمون في المعاني وعنهم يؤخذ معانيه واعرابه، وربما لم يسمّهم إذا ذكر شيئا من كلامهم. وهذا كتاب يشتمل على عشرة آلاف ورقة أو دونها حسب سعة الخط أو ضيقه، قال عبد العزيز بن محمد الطبري:
وقد رأيت منه نسخة ببغداد تشتمل على أربعة آلاف ورقة.