وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ، فَالَّذِي عَمَّ جَمِيعَهُمْ بِهِ فِيهَا مِنْ رَحْمَتِهِ، فَكَانَ لَهُمْ رَحْمَانًا تَسْوِيَتُهُ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ جَلَّ ذِكْرُهُ فِي عِدْلِهِ وَقَضَائِهِ، فَلَا يَظْلِمُ أَحَدًا مِنْهُمْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وَإِنَّ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا، وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ. فَذَلِكَ مَعْنَى عُمُومِهِ فِي الْآخِرَةِ جَمِيعَهُمْ بِرَحْمَتِهِ الَّذِي كَانَ بِهِ رَحْمَانًا فِي الْآخِرَةِ. وَأَمَّا مَا خَصَّ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا مِنْ رَحْمَتِهِ الَّذِي كَانَ بِهِ رَحِيمًا لَهُمْ فِيهَا، كَمَا قَالَ جَلُّ ذِكْرُهُ: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}
[الأحزاب: 43] فَمَا وَصَفْنَا مِنَ اللُّطْفِ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ، فَخَصَّهُمْ بِهِ دُونَ مَنْ خَذَلَهُ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ.
وَأَمَّا مَا خَصَّهُمْ بِهِ فِي الْآخِرَةِ، فَكَانَ بِهِ رَحِيمًا لَهُمْ دُونَ الْكَافِرِينَ. فَمَا وَصَفْنَا آنِفًا مِمَّا أَعَدَّ لَهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ النَّعِيمِ وَالْكَرَامَةِ الَّتِي تَقْصُرُ عَنْهَا الْأَمَانِي.
وَأَمَّا الْقَوْلُ الْآخَرُ فِي تَأْوِيلِهِ، فَهُوَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"الرَّحْمَنُ الْفَعْلَانُ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَهُوَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ."
قَالَ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} : الرَّقِيقُ الرَّفِيقُ بِمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْحَمَهُ، وَالْبَعِيدُ الشَّدِيدُ عَلَى مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُعَنِّفَ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ أَسْمَاؤُهُ كُلُّهَا"وَهَذَا التَّأْوِيلُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِيَ بِهِ رَبِّنَا رَحْمَنُ هُوَ الَّذِي بِهِ رَحِيمٌ، وَإِنْ كَانَ لِقَوْلِهِ الرَّحْمَنَ. مِنَ الْمَعْنَى مَا لَيْسَ لِقَوْلِهِ الرَّحِيمَ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ مَعْنَى الرَّحْمَنِ بِمَعْنَى الرَّقِيقِ عَلَى مَنْ رَقَّ عَلَيْهِ، وَمَعْنَى الرَّحِيمِ بِمَعْنَى الرَّفِيقِ بِمَنْ رَفَقَ بِهِ."
وَالْقَوْلُ الَّذِي رُوِّينَاهُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرْنَاهُ عَنِ الْعَرْزَمِيِّ، أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِهِ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي رَوَيْنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ؛ وَإِنْ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مُوَافِقًا مَعْنَاهُ مَعْنَى ذَلِكَ، فِي أَنَّ لِلرَّحْمَنِ مِنَ الْمَعْنَى مَا لَيْسَ لِلرَّحِيمِ، وَأَنَّ لِلرَّحِيمِ تَأْوِيلًا غَيْرَ تَأْوِيلِ الرَّحْمَنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، مَا [ذكره] عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، يَقُولُ: «كَانَ الرَّحْمَنُ، فَلَمَّا اخْتَزَلَ الرَّحْمَنُ مِنَ اسْمِهِ كَانَ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ» وَالَّذِي أَرَادَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَطَاءٌ بِقَوْلِهِ هَذَا: أَنَّ الرَّحْمَنَ كَانَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الَّتِي لَا يَتَسَمَّى بِهَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ، فَلَمَّا تَسَمَّى بِهِ الْكَذَّابُ مُسَيْلِمَةُ وَهُوَ اخْتِزَالُهُ إِيَّاهُ، يَعْنِي اقْتِطَاعَهُ مِنْ أَسْمَائِهِ لِنَفْسِهِ أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ اسْمَهَ الرَّحِيمُ الرَّحِيمُ، لِيَفْصِلَ بِذَلِكَ لِعِبَادِهِ اسْمَهُ مِنَ اسْمِ مَنْ قَدْ تُسَمَّى بِأَسْمَائِهِ، إِذْ كَانَ لَا يُسَمَّى أَحَدٌ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ فَيُجْمَعُ لَهُ هَذَانِ الِاسْمَانِ غَيْرَهُ جَلَّ ذِكْرُهُ؛ وَإِنَّمَا تُسَمَّى بَعْضُ خَلْقِهِ إِمَّا رَحِيمًا، أَوْ يَتَسَمَّى رَحْمَنٌ، فَأَمَّا رَحْمَنٌ رَحِيمٌ، فَلَمْ يَجْتَمِعَا قَطُّ لِأَحَدٍ سِوَاهُ، وَلَا يُجْمَعَانِ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ.
فَكَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ عَطَاءٍ هَذَا: أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا فَصَلَ بِتَكْرِيرِ الرَّحِيمِ عَلَى الرَّحْمَنِ بَيْنَ اسْمِهِ وَاسْمِ غَيْرِهِ مِنْ خَلْقِهِ، اخْتَلَفَ مَعْنَاهُمَا أَوِ اتَّفَقَا. وَالَّذِي قَالَ عَطَاءٌ مِنْ ذَلِكَ غَيْرُ فَاسِدِ الْمَعْنَى، بَلْ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَصَّ نَفْسَهُ بِالتَّسْمِيَةِ بِهِمَا مَعًا مُجْتَمِعِينَ إِبَانَةً لَهَا مِنْ خَلْقِهِ، لِيَعْرِفَ عِبَادُهُ بِذِكْرِهِمَا مَجْمُوعِينَ أَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِذِكْرِهِمَا دُونَ مَنْ سِوَاهُ مِنْ خَلْقِهِ، مَعَ مَا فِي تَأْوِيلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْمَعْنَى الَّذِي لَيْسَ فِي الْآخَرِ مِنْهُمَا. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْغَبَاءِ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ لَا تَعْرِفُ الرَّحْمَنَ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي لُغَتِهَا؛ وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا}
[الفرقان: 60] إِنْكَارًا مِنْهُمْ لِهَذَا الِاسْمِ. كَأَنَّهُ كَانَ مُحَالًا عِنْدَهُ أَنْ يُنْكِرَ أَهْلُ الشِّرْكِ مَا كَانُوا عَالِمِينَ بِصِحَّتِهِ، أَوْ كَأَنَّهُ لَمْ يَتْلُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ قَوْلَ اللَّهِ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ}
[البقرة: 146] يَعْنِي مُحَمَّدًا {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ}
[البقرة: 146] وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ بِهِ مُكَذِّبُونَ، وَلِنُبُوَّتِهِ جَاحِدُونَ. فَيَعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا يُدَافِعُونَ حَقِيقَةَ مَا قَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ صِحَّتُهُ وَاسْتَحْكَمَتْ لَدَيْهِمْ مَعْرِفَتُهُ. وَقَدْ أَنْشَدَ لِبَعْضِ الْجَاهِلِيَّةِ الْجُهَلَاءِ:
[البحر الطويل]
أَلَا ضَرَبَتْ تِلْكَ الْفَتَاةُ هَجِينَهَا ... أَلَا قَضَبَ الرَّحْمَنُ رَبِّي يَمِينَهَا
وَقَالَ سَلَامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ الطُّهَوِيُّ:
عَجِلْتُمْ عَلَيْنَا عَجْلَتَيْنَا عَلَيْكُمْ ... وَمَا يَشَأِ الرَّحْمَنُ يَعْقِدُ وَيُطْلِقِ