فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 6201

ويذكر صاحب لسان الميزان: أن ابن خزيمة استعار تفسير ابن جرير من ابن خالويه فرده بعد سنين ثم قال «نظرت فيه من أوله إلى آخره فما أعلم على أديم الأرض أعلم من ابن جرير» فابن خزيمة ما شهد هذه الشهادة إلا بعد أن أطلع على ما في هذا التفسير من علم واسع غزير.

هذا وقد كتب (نولدكه) في سنة 1860 م بعد اطلاعه على بعض فقرات من هذا الكتاب «لو كان بيدنا هذا الكتاب لاستغنينا به عن كل التفاسير المتأخرة، ومع الأسف فقد كان يظهر أنه مفقود تماما، وكان مثل تاريخه الكبير مرجعا لا يغيض معينه أخذ عنه المتأخرون معارفهم» .

ويظهر مما بأيدينا من المراجع، أن هذا التفسير كان أوسع مما هو عليه اليوم، ثم اختصره مؤلفه إلى هذا القدر الذي هو عليه الآن، كما أن كتابه في التاريخ ظفر بمثل هذا البسط والاختصار، فابن السبكى يذكر في طبقاته الكبرى «أن أبا جعفر قال لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟، فقال ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا ربما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة، ثم قال: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟، قالوا: كم قدره؟، فذكر نحوا مما ذكره في التفسير، فأجابوه بمثل ذلك، فقال إنا لله، ماتت الهمم، فاختصره في نحو ما اختصر التفسير» اهـ.

هذا ونستطيع أن نقول إن تفسير ابن جرير هو التفسير الذي له الأولية بين كتب التفسير، أولية زمنية، وأولية من ناحية الفن والصناعة.

أما أوليته الزمنية، فلأنه أقدم كتاب في التفسير وصل إلينا، وما سبقه من المحاولات التفسيرية ذهبت بمرور الزمن، ولم يصل إلينا شيء منها، اللهم إلا ما وصل إلينا منها في ثنايا ذلك الكتاب الخالد الذي نحن بصدده.

وأما أوليته من ناحية الفن والصناعة؛ فذلك أمر يرجع إلى ما يمتاز به الكتاب من الطريقة البديعة التي سلكها فيه مؤلفه، حتى أخرجه للناس كتابا له قيمته ومكانته.

ونريد أن نعرض هنا لطريقة ابن جرير في تفسيره، بعد أن أخذنا فكرة عامة عن الكتاب، حتى يتبين للقارئ أن الكتاب واحد في بابه، سبق به مؤلفه غيره من المفسرين، فكان عمدة المتأخرين، ومرجعا مهما من مراجع المفسرين، على اختلاف مذاهبهم، وتعدد طرائقهم، فنقول:

طريقة ابن جرير في تفسيره:

تتجلى طريقة ابن جرير في تفسيره بكل وضوح إذا نحن قرأنا فيه وقطعنا في القراءة شوطا بعيدا، فأول ما نشاهده، أنه إذا أراد أن يفسر الآية من القرآن يقول «القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا» ثم يفسر الآية ويستشهد على ما قاله بما يرويه بسنده إلى الصحابة أو التابعين من التفسير المأثور عنهم في هذه الآية، وإذا كان في الآية قولان أو أكثر، فإنه يعرض لكل ما قيل فيها، ويستشهد على كل قول بما يرويه في ذلك عن الصحابة أو التابعين.

ثم هو لا يقتصر على مجرد الرواية، بل نجده يتعرض لتوجيه الأقوال، ويرجح بعضها على بعض، كما نجده يتعرض لناحية الإعراب إن دعت الحال إلى ذلك، كما أنه يستنبط الأحكام التي يمكن أن تؤخذ من الآية، مع توجيه الأدلة وترجيح ما يختار.

إنكاره على من يفسر بمجرد الرأى:

ثم هو يخاصم بقوة أصحاب الرأى المستقلين في التفكير، ولا يزال يشدد في ضرورة الرجوع إلى العلم الراجع إلى الصحابة أو التابعين، والمنقول عنهم نقلا صحيحا مستفيضا، ويرى أن ذلك وحده هو علامة التفسير الصحيح، فمثلا عند ما تكلم عن قوله تعالى في الآية (49) من سورة يوسف «ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ» نجده يذكر ما ورد في تفسيرها عن السلف مع توجيهه للأقوال وتعرضه للقراءات بقدر ما يحتاج إليه تفسير الآية، ثم يعرج بعد ذلك على من يفسر القرآن برأيه، وبدون اعتماد منه على شيء إلا على مجرد اللغة، فيفند قوله، ويبطل رأيه، فيقول ما نصه « ... وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل، ممن يفسر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب، يوجه معنى قوله (وفيه يعصرون) إلى وفيه ينجون من الجدب والقحط بالغيث، ويزعم أنه من العصر، والعصر التي بمعنى المنجاة، من قول أبي زبيد الطائى:

صاديا يستغيث غير مغاث ... ولقد كان عصرة المنجود

أى المقهور - ومن قول لبيد:

فبات وأسرى القوم آخر ليلهم ... وما كان وقافا بغير معصر

وذلك تأويل يكفى من الشهادة على خطئه خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين.»

وكثيرا ما يقف ابن جرير مثل هذا الموقف حيال ما يروى عن مجاهد أو الضحاك أو غيرهما ممن يروون عن ابن عباس.

فمثلا عند قوله تعالى في الآية (65) من سورة البقرة «وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ» يقول ما نصه «حدثنى المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد «ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين» قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت