فهرس الكتاب

الصفحة 385 من 6201

وأما الزاعم أن تأويل قوله (مالك يوم الدين) أنه الذي يملكُ إقامة يَوم الدين، فإن الذي ألزمْنا قَائلَ هذا القول الذي قبله - له لازمٌ. إذْ كانت إقامةُ القيامة، إنما هي إعادة الخلق الذين قد بادوا لهيئاتهم التي كانوا عليها قبل الهلاك، في الدار التي أعَدّ الله لهم فيها ما أعدّ. وُهمُ العالَمون الذين قد أخبر جلّ ذكره عنهم أنه ربُّهم في قوله (ربّ العالمين) .

وأما تأويل ذلك في قراءة من قرأ (مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ) ، فإنه أراد: يا مالك يوم الدين، فنصَبه بنيّة النداء والدعاء، كما قال جلّ ثناؤه: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) [يوسف: 29] بتأويل: يا يوسف أعرضْ عن هذا، وكما قال الشاعر من بني أسد، وهو شعر - فيما يقال - جاهلي:

إنْ كُنْتَ أَزْنَنْتَني بِهَا كَذِبًا ... جَزْءُ، فلاقَيْتَ مِثْلَهَا عَجِلا

يريد: يا جزءُ، وكما قال الآخر:

كَذَبْتُمْ وبيتِ الله لا تَنْكِحُونَهَا ... بَني شَاب قَرْنَاها تَصُرُّ وتَحْلبُ

يريد: يا بني شابَ قرْناها. وإنما أوْرطه في قراءة ذلك - بنصب الكاف من"مالك"، على المعنى الذي وصفتُ - حيرتهُ في توجيه قَوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وِجْهَته، مع جر (مالك يوم الدين) وخفضِه. فظنّ أنّه لا يصحّ معنى ذلك بعد جرِّه (مالك يوم الدين) ، فنصب:"مالكَ يوم الدين"ليكون (إياك نعبد) له خطابًا. كأنه أراد: يا مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نَستعين. ولو كان عَلم تأويل أول السورة، وأن"الحمدُ لله رَبّ العالمين"أمرٌ من الله عبدَه بقيلِ ذلك - كما ذكرنا قبلُ من الخبر عن ابن عباس: أن جبريلَ قال للنبي صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى ذكره: قل يا محمد، (الحمدُ لله رب العالمين الرحمن الرحيم مَالكِ يوم الدين) ، وقل أيضًا يا محمد: (إياك نَعبد وإياك نَستعين) - وكان عَقَل عن العرب أنَّ من شأنها إذا حكَت أو أمرت بحكاية خبرٍ يتلو القولَ، أن تخاطب ثم تخبر عن غائب، وتخبرَ عن الغائب ثم تعودَ إلى الخطاب، لما في الحكاية بالقول من معنى الغائب والمخاطب، كقولهم للرجل: قد قلتُ لأخيك: لو قمتَ لقمتُ، وقد قلتُ لأخيك: لو قام لقمتُ - لسَهُل عليه مخرجُ ما استصعب عليه وجْهتُه من جر"مالك يوم الدين".

ومن نظير"مالك يوم الدين"مجرورًا، ثم عَوْده إلى الخطاب بـ"إياك نعبد"، لما ذكرنا قبل - البيتُ السائرُ من شعر أبي كبير الهُذَلي:

يَا لَهْفَ نَفْسي كان جِدَّةُ خَالِدٍ ... وَبَيَاضُ وَجْهِكَ للتُّرابِ الأَعْفَرِ

فرجعَ إلى الخطاب بقوله:"وبياضُ وَجْهك"، بعد ما قد مضى الخبرُ عن خالد على معنى الخبر عن الغائب.

ومنه قول لبيد بن ربيعة:

بَاتَتْ تَشَكَّى إليّ النَّفْسُ مُجْهِشَةً ... وقد حَمَلْتُكِ سَبْعًا بَعْدَ سَبْعِينَا

فرجع إلى مخاطبة نفسه، وقد تقدم الخبر عنها على وجه الخبر عن الغائب.

ومنه قول الله، وهو أصدق قيلٍ وأثبتُ حجةٍ: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ) [يونس: 22] ، فخاطب ثم رجع إلى الخبر عن الغائب، ولم يقل: وَجرَين بكم. والشواهدُ من الشعر وكلام العرب في ذلك أكثر من أن تُحصى، وفيما ذكرنا كفاية لمن وُفِّق لفهمه.

فقراءة:"مالكَ يوم الدين"محظورة غير جائزة، لإجماع جميع الحجة من القرّاء وعلماء الأمة على رَفض القراءة بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت