فهرس الكتاب

الصفحة 4628 من 6201

وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصِّحَّةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: تَأْوِيلُ ذَلِكَ: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ مِنًى الثَّلَاثَةِ فَنَفَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، لِحَطِّ اللَّهِ ذُنُوبَهُ، إِنْ كَانَ قَدِ اتَّقَى اللَّهَ فِي حَجِّهِ فَاجْتَنَبَ فِيهِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِاجْتِنَابِهِ وَفَعَلَ فِيهِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِفِعْلِهِ وَأَطَاعَهُ بِأَدَائِهِ عَلَى مَا كَلَّفَهُ مِنْ حُدُودِهِ. وَمَنْ تَأَخَّرَ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْهُنَّ فَلَمْ يَنْفِرْ إِلَى النَّفْرِ الثَّانِي حَتَّى نَفَرَ مِنْ غَدِ النَّفْرِ الْأَوَّلِ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِتَكْفِيرِ اللَّهِ لَهُ مَا سَلَفَ مِنْ آثَامِهِ وَأَجْرَامِهِ، وَإِنْ كَانَ اتَّقَى اللَّهَ فِي حَجِّهِ بِأَدَائِهِ بِحُدُودِهِ.

وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنَّ ذَلِكَ أَوْلَى تَأْوِيلَاتِهِ لِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» وَأَنَّهُ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ، وَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ»

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ، وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ، وَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ دُونَ الْجَنَّةِ»

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا قَضَيْتَ حَجَّكَ فَأَنْتَ مِثْلُ مَا وَلَدَتْكَ أُمُّكَ» وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي يَطُولُ بِذِكْرِ جَمِيعَهَا الْكِتَابُ، مِمَّا يُنْبِئُ عَنْهُ أَنَّ مَنَ حَجَّ فَقَضَاهُ بِحُدُودِهِ عَلَى مَا أَمَرَهُ اللَّهُ، فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ ذُنُوبِهِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى}

اللَّهَ فِي حَجِّهِ.

فَكَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُوضِّحُ عَنْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}

أَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ ذُنُوبِهِ، مَحْطُوطَةٌ عَنْهُ آثَامُهُ، مَغْفُورَةٌ لَهُ أَجْرَامُهُ. وَأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ: {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}

فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي نَفْرِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي مَقَامِهِ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّ الْحَرَجَ إِنَّمَا يُوضَعُ عَنِ الْعَامِلِ فِيمَا كَانَ عَلَيْهِ تَرْكُ عَمَلِهِ فَيُرَخَّصُ لَهُ فِي عَمَلِهِ بِوَضْعِ الْحَرَجِ عَنْهُ فِي عَمَلِهِ، أَوْ فِيمَا كَانَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ، فَيُرَخَّصُ لَهُ فِي تَرْكِهِ بِوَضْعِ الْحَرَجِ عَنْهُ فِي تَرْكِهِ. فَأَمَّا مَا عَلَى الْعَامِلِ عَمَلُهُ فَلَا وَجْهَ لِوَضْعِ الْحَرَجِ عَنْهُ فِيهِ إِنْ هُوَ عَمِلَهُ، وَفَرْضُهُ عَمَلُهُ، لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَدِّي فَرْضًا عَلَيْهِ حَرَجًا بِأَدَائِهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: قَدْ وَضَعْنَا عَنْكَ فِيهِ الْحَرَجَ.

وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ الْحَاجُّ لَا يَخْلُو عِنْدَ مَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ: {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}

فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ، أَوْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ فَرْضُهُ النَّفْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَوَضَعَ عَنْهُ الْحَرَجَ فِي الْمَقَامِ، أَوْ أنْ يَكُونِ فَرْضُهُ الْمَقَامُ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ، فَوَضَعَ عَنْهُ الْحَرَجَ فِي النَّفْرِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، فَإِنْ يَكُنْ فَرْضُهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ الْمُقَامَ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْهَا، فَوَضَعَ عَنْهُ الْحَرَجَ فِي نَفْرِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْهَا، وَذَلِكَ هُوَ التَّعْجِيلُ الَّذِي قِيلَ: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}

فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ عَلَى تَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ: {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}

فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ {وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}

لِأَنَّ الْمُتَأَخِّرَ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ إِنَّمَا هُوَ مُتَأَخَّرٌ عَنْ أَدَاءِ فَرْضٍ عَلَيْهِ تَارِكٌ قَبُولَ رُخْصَةِ النَّفْرِ، فَلَا وَجْهَ لِأَنْ يُقَالَ: لَا حَرَجَ عَلَيْكَ فِي مَقَامِكَ عَلَى أَدَاءِ الْوَاجِبِ عَلَيْكَ، لِمَا وَصَفْنَا قَبْلُ، أَوْ يَكُونُ فَرْضُهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي النَّفْرَ، فَرُخِّصَ لَهُ فِي الْمَقَامِ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ؛ فَلَا مَعْنَى أَنْ يُقَالَ: لَا حَرَجَ عَلَيْكَ فِي تَعَجُّلِكَ النَّفْرَ الَّذِي هُوَ فَرْضُكَ وَعَلَيْكَ فِعْلُهُ لِلَّذِي قَدَّمْنَا مِنَ الْعِلَّةِ وَكَذَلِكَ لَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}

وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي نَفْرِهِ ذَلِكَ، إِنِ اتَّقَى قَتْلَ الصَّيْدِ إِلَى انْقِضَاءِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ تَأْوِيلًا مُسَلَّمًا لِقَائِلِهِ لَكَانَ فِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}

مَا يُبْطِلُ دَعْوَاهُ، لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي أَنَّ الصَّيْدَ لِلْحَاجِّ بَعْدَ نَفْرِهِ مِنْ مِنًى فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَلَالٌ، فَمَا الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ وَضَعَ عَنْهُ الْحَرَجَ فِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}

إِذَا هُوَ تَأَخَّرَ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ ثُمَّ نَفَرَ؟ هَذَا مَعَ إِجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا رَمَى، وَذَبَحَ، وَحَلَقَ، وَطَافَ بِالْبَيْتِ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، وَتَصْرِيحُ الرِّوَايَةِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَمْرَةَ، قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَتَى يُحِلُّ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا رَمَيْتُمْ، وَذَبَحْتُمْ، وَحَلَقْتُمْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ» قَالَ: وَذَكَرَ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِثْلَهُ

وَأَمَّا الَّذِي تَأَوَّلَ ذَلِكَ أَنَّهُ بِمَعْنَى: لَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِلَى عَامٍ قَابِلٍ فَلَا وَجْهَ لِتَحْدِيدِ ذَلِكَ بِوَقْتٍ، وَإِسْقَاطِهِ الْإِثْمَ عَنِ الْحَاجِّ سَنَةً مُسْتَقْبَلَةً دُونَ آثَامِهِ السَّالِفَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يَحْصُرْ ذَلِكَ عَلَى نَفْيِ إِثْمِ وَقْتٍ مُسْتَقْبَلٍ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ، وَلَا عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، بَلْ دَلَالَةُ ظَاهَرِ التَّنْزِيلِ تَبِينُ عَنْ أَنِّ الْمُتَعَجِّلَ فِي الْيَوْمَيْنِ وَالْمُتَأَخِّرَ لَا إِثْمَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حَالِهِ الَّتِي هُوَ بِهَا دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَحْوَالِ، وَالْخَبَرُ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَرِّحُ بِأَنَّهُ بِانْقِضَاءِ حَجِّهِ عَلَى مَا أُمِرَ بِهِ خَارِجٌ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. فَفِي ذَلِكَ مِنْ دَلَالَةِ ظَاهَرِ التَّنْزِيلِ، وَصَرِيحِ قَوْلِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}

فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ مِنْ وَقْتِ انْقِضَاءِ حَجِّهِ"إِلَى عَامٍ قَابِلٍ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت