ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ}
هَلْ هُوَ مَنْسُوخٌ أَمْ ثَابِتُ الْحُكْمِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً}
وَبِقَوْلِهِ: {اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ}
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ حُكْمٌ ثَابِتٌ لَا يَحِلُّ الْقِتَالُ لِأَحَدٍ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْقِتَالَ فِيهِ كَبِيرًا
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ:" {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} "
قُلْتُ: مَا لَهُمْ وَإِذْ ذَاكَ لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَغْزُوا أَهْلَ الشِّرْكِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، ثُمَّ غَزُوهُمْ بَعْدُ فِيهِ، فَحَلَفَ لِي عَطَاءٌ بِاللَّهِ مَا يَحِلُّ لِلنَّاسِ أَنْ يَغْزُوا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَلَا أَنْ يُقَاتِلُوا فِيهِ، وَمَا يُسْتَحَبُّ، قَالَ: وَلَا يَدْعُونَ إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُقَاتِلُوا، وَلَا إِلَى الْجِزْيَةِ تَرَكُوا ذَلِكَ""
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ عَطَاءُ بْنُ مَيْسَرَةَ، مِنْ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثَنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً}
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ}
لِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ «غَزَا هَوَازِنَ بِحُنَيْنٍ، وَثَقِيفًا بِالطَّائِفِ، وَأَرْسَلَ أَبَا عَامِرٍ، إِلَى أَوْطَاسٍ لِحَرْبِ مَنْ بِهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي بَعْضِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَذَلِكَ فِي شَوَّالٍ وَبَعْضِ ذِي الْقَعْدَةِ، وَهُوَ مِنَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ» فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقِتَالُ فِيهِنَّ حَرَامًا وَفِيهِ مَعْصِيَةٌ، كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْ فِعْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُخْرَى: أَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِسِيَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَتَدَافَعُ أَنَّ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ عَلَى قِتَالِ قُرَيْشٍ كَانَتْ فِي أَوَّلِ ذِي الْقَعْدَةِ، وَأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا دَعَا أَصْحَابَهُ إِلَيْهَا يَوْمَئِذٍ لِأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ إِذْ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ بِمَا أَرْسَلَهُ بِهِ مِنَ الرِّسَالَةِ، فَبَايَعَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ يُنَاجِزَ الْقَوْمَ الْحَرْبَ وَيُحَارِبَهُمْ حَتَّى رَجَعَ عُثْمَانُ بِالرِّسَالَةِ، وَجَرَى بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُرَيْشٍ الصُّلْحُ، فَكَفَّ عَنْ حَرْبِهِمْ حِينَئِذٍ وَقِتَالِهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَهُوَ مِنَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَبَيَّنَ صِحَّةَ مَا قُلْنَا فِي قَوْلِهِ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ كَبِيرٌ}
وَأَنَّهُ مَنْسُوخٌ. فَإِذَا ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ كَانَ بَعْدَ اسْتِحْلَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُنَّ لِمَا وَصَفْنَا مِنْ حُرُوبِهِ. فَقَدْ ظَنَّ جَهْلًا؛ وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ، أَعِنِّي قَوْلَهُ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ}
فِي أَمْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وَأَصْحَابِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ وَأَمْرِ الْقَتِيلِ الَّذِي قَتَلُوهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَمْرِهِ هَذِهِ الْآيَةَ فِي آخِرِ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنَ السُّنَّةِ الثَّانِيَةِ مِنْ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَهِجْرَتِهِ إِلَيْهَا، وَكَانَتْ وَقْعَةُ حُنَيْنٍ، وَالطَّائِفِ فِي شَوَّالٍ مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ وَهِجْرَتِهِ إِلَيْهَا. وَبَيْنَهُمَا مِنَ الْمُدَّةِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ.