فهرس الكتاب

الصفحة 4938 من 6201

ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هَلْ هِيَ مَنْسُوخَةٌ، أَمْ ثَابِتَةُ الْحُكْمِ عَلَى الْعِبَادِ؟

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ نَسَخَتْهَا الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مُثْبَتَةُ الْحُكْمِ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ.

وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَلَى مَا رَوَاهُ عَنْهُ عَطِيَّةُ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ: {قُلِ الْعَفْوَ}

لَيْسَ بِإِيجَابِ فَرْضٍ فُرِضَ مِنَ اللَّهِ حَقًّا فِي مَالِهِ. وَلَكِنَّهُ إِعْلَامٌ مِنْهُ مَا يُرْضِيَهُ مِنَ النَّفَقَةِ مِمَّا يُسْخِطُهُ جَوَابًا مَعَهُ لِمَنْ سَأَلَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا فِيهِ لَهُ رِضًا، فَهُوَ أَدَبٌ مِنَ اللَّهِ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ عَلَى مَا أَدَّبَهُمْ بِهِ فِي الصَّدَقَةِ غَيْرِ الْمَفْرُوضَاتِ ثَابِتُ الْحُكْمِ غَيْرُ نَاسِخٍ لِحُكْمٍ كَانَ قَبْلَهُ بِخِلَافِهِ، وَلَا مَنْسُوخٌ بِحُكْمٍ حَدَثَ بَعْدَهُ، فَلَا يَنْبَغِي لِذِي وَرَعٍ وَدِينٍ أَنْ يَتَجَاوَزَ فِي صَدَقَاتِ التَّطَوُّعِ وَهِبَاتِهِ وَعَطَايَا النَّفْلِ وَصَدَقَتِهِ مَا أَدَّبَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «إِذَا كَانَ عِنْدَ أَحَدِكُمْ فَضْلٌ فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ بِأَهْلِهِ، ثُمَّ بِوَلَدِهِ» ، ثُمَّ يَسْلُكُ حِينَئِذٍ فِي الْفَضْلِ مَسَالِكَهُ الَّتِي تُرْضِي اللَّهَ وَيُحِبُّهَا. وَذَلِكَ هُوَ الْقَوَامُ بَيْنَ الْإِسْرَافِ، وَالْإِقْتَارِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَيُقَالُ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ: مَا الدَّلَالَةُ عَلَى نَسْخِهِ؟ وَقَدْ أَجْمَعَ الْجَمِيعُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ عَلَى أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُنْفِقَ مِنْ مَالِهِ صَدَقَةً، وَهِبَةً، وَوَصِيَّةَ الثُّلُثِ. فَمَا الَّذِي دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ؟ فَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ مَنْسُوخٌ أَنَّ إِخْرَاجَ الْعَفْوِ مِنَ الْمَالِ غَيْرُ لَازِمٍ فَرْضًا، وَأَنَّ فَرْضَ ذَلِكَ سَاقِطٌ بِوُجُودِ الزَّكَاةِ فِي الْمَالِ؛ قِيلَ لَهُ: وَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ إِخْرَاجَ الْعَفْوِ كَانَ فَرْضًا، فَأَسْقَطَهُ فَرْضُ الزَّكَاةِ؟ وَلَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فَرْضًا، إِذْ لَمْ يَكُنْ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ، بَلْ فِيهَا الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهَا جَوَّابُ مَا سَأَلَ عَنْهُ الْقَوْمُ عَلَى وَجْهِ التَّعَرُّفِ لِمَا فِيهِ لِلَّهِ الرِّضَا مِنَ الصَّدَقَاتِ، وَلَا سَبِيلَ لِمُدَّعِي ذَلِكَ إِلَى دَلَالَةٍ تُوجِبُ صِحَّةَ مَا ادَّعَى.

وَأَمَّا الْقُرَّاءُ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي قِرَاءَةِ الْعَفْوِ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ، وَقُرَّاءُ الْحَرَمَيْنِ وَعُظْمُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: (قُلِ الْعَفْوَ) نَصْبًا، وَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ الْبَصْرِيِّينَ: «قُلِ الْعَفْوَ» رَفْعًا. فَمَنْ قَرَأَهُ نَصْبًا جَعَلَ «مَاذَا» حَرْفًا وَاحِدًا، وَنَصَبَهُ بِقَوْلِهِ: {يُنْفِقُونَ}

عَلَى مَا قَدْ بَيَّنْتُ قَبْلُ، ثُمَّ نَصَبَ الْعَفْوَ عَلَى ذَلِكَ؛ فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: وَيَسْأَلُونَكَ أَيَّ شَيْءٍ يُنْفِقُونَ؟ وَمَنْ قَرَأَه رَفْعًا جَعَلَ «مَا» مِنْ صِلَةِ «ذَا» وَرَفَعُوا الْعَفْوَ؛ فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: مَا الَّذِي يُنْفِقُونَ، قُلِ الَّذِي يُنْفِقُونَ الْعَفْوَ. وَلَوْ نَصَبَ الْعَفْوَ، ثُمَّ جَعَلَ «مَاذَا» حَرْفَيْنِ بِمَعْنَى يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ؟ قُلْ يُنْفِقُونَ الْعَفْوَ، وَرَفْعُ الَّذِينَ جَعَلُوا «مَاذَا» حَرْفًا وَاحِدًا بِمَعْنَى مَا يُنْفِقُونَ؟ قُلِ الَّذِي يُنْفِقُونَ؛ خَبَرًا كَانَ صَوَابًا صَحِيحًا فِي الْعَرَبِيَّةِ. وَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قُرِئَ ذَلِكَ عِنْدِي صَوَابٌ لِتَقَارُبِ مَعْنَيَيْهِمَا مَعَ اسْتِفَاضَةِ الْقِرَاءَةِ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.

غَيْرَ أَنَّ أَعْجَبَ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ بِالنَّصْبِ، لِأَنَّ مَنْ قَرَأَ بِهِ مِنَ الْقُرَّاءِ أَكْثَرُ وَهُوَ أَعْرَفُ وَأَشْهَرُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت