وقد زعم بعضُ نحويِّي البصرة أن"ما"من قول الله تبارك اسمه"بما كانوا يكذبون"، اسم للمصدر، كما أنّ"أنْ"و"الفعل"اسمان للمصدر في قولك: أحب أن تَأتيني، وأن المعنى إنما هو بكَذبِهم وتَكْذِيبهم. قال: وأدخل"كان"ليخبر أنه كان فيما مضى، كما يقال: ما أحسن ما كان عبدُ الله، فأنت تعجَبُ من عبد الله لا من كونه، وإنما وَقع التعجُّب في اللفظ على كوْنه. وكان بعض نحويِّي الكوفة يُنكر ذلك من قوله ويستخطئه، ويقول: إنما ألغِيَت"كان"في التعجُّب، لأن الفعل قد تقدَّمها، فكأنه قال:"حَسَنًا كان زيد"و"حَسَن كان زَيْدٌ"يُبْطِلُ"كان"، ويُعْمِل مع الأسماء والصِّفات التي بألفاظِ الأسماء، إذا جاءت قبل"كان"، ووقعت"كان"بينها وبين الأسماء. وأما العِلَّة في إبطالها إذا أبطِلت في هذه الحال، فَلِشَبَهِ الصِّفات والأسماء بـ"فعل"و"يفعل"اللتين لا يظهرُ عمل"كان"فيهما. ألا ترى أنك تقول:"يقوم كان زيد"، ولا يظهر عمل"كان"في"يقوم"، وكذلك"قام كان زيد". فلذلك أبطل عملها مع"فاعل"تمثيلا بـ"فعل"و"يفعل"، وأعملت مع"فاعل"أحيانًا لأنه اسم، كما تعمل في الأسماء. فأما إذا تقدمت"كان"الأسماءَ والأفعالَ، وكان الاسم والفِعْلُ بعدها، فخطأ عنده أن تكون"كان"مبطلة. فلذلك أحال قول البصريّ الذي حكيناه، وتأوّل قول الله عز وجل"بما كانوا يكذبون"أنه بمعنى: الذي يكذبونه.