القول في تأويل قوله: {فِي طُغْيَانِهِمْ}
و"الطُّغيان""الفُعْلان"، من قولك:"طَغَى فلان يطغَى طُغيانًا". إذا تجاوز في الأمر حده فبغى. ومنه قوله الله: (كَلا إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) [العلق: 6، 7] ، أي يتجاوز حدّه. ومنه قول أمية بن أبي الصَّلْت:
وَدَعَا اللهَ دَعْوَةً لاتَ هَنَّا ... بَعْدَ طُغْيَانِه، فَظَلَّ مُشِيرَا
وإنما عنى الله جل ثناؤه بقوله (وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ) ،
أنه يُملي لهم، ويَذَرُهم يَبغون في ضلالهم وكفرهم حيارى يترددون.
القول في تأويل قوله: {يَعْمَهُونَ (15) }
والعَمَهُ نفسُه: الضَّلال. يقال منه: عَمِه فلان يَعْمه عَمَهانًا وعُمُوهًا، إذا ضل. ومنه قول رؤبة بن العجاج يصف مَضَلَّة من المهامه:
وَمَخْفَقِ مِن لُهْلُهٍ وَلُهْلُهِ ... مِنْ مَهْمَهٍ يَجْتَبْنَهُ فِي مَهْمَهِ
أَعْمَى الهُدَى بِالجاهلين العُمَّهِ
و"العُمَّه"جمع عامِهٍ، وهم الذين يضلّون فيه فيتحيرون. فمعنى قوله إذًا: (فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) : في ضلالهم وكفرهم الذي قد غمرهم دنسُه، وعلاهم رِجْسُه، يترددون حيارى ضُلالا لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا لأن الله قد طبع على قلوبهم وختم عليها، فأعمى أبصارهم عن الهدى وأغشاها، فلا يبصرون رُشْدا ولا يهتدون سبيلا.