فهرس الكتاب

الصفحة 5659 من 6201

ثُمَّ اخْتَلَفُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}

أَمَعْنِيُّ بِهِ: أَنَّهُمَا مَوْضُوعٌ عَنْهُمَا الْجُنَاحُ فِي كُلِّ مَا افْتَدَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا مِنْ شَيْءٍ أَمْ فِي بَعْضِهِ؟

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِذَلِكَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ مِنْ صَدَاقِهَا الَّذِي كَانَ آتَاهَا زَوْجُهَا الَّذِي تَخْتَلِعُ مِنْهُ وَاحْتَجُّوا فِي قَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِأَنَّ آخِرَ الْآيَةِ مَرْدُودٌ عَلَى أَوَّلِهَا، وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}

مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ.

قَالُوا: فَالَّذِي أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُمَا مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ هُوَ الَّذِي كَانَ حَظَرَ عَلَيْهِمَا قَبْلَ حَالِ الْخَوْفِ عَلَيْهِمَا مِنْ ذَلِكَ.

وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِقِصَّةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَمَرَ امْرَأَتَهُ إِذْ نَشَزَتْ عَلَيْهِ أَنَّ تُرَدَّ مَا كَانَ ثَابِتٌ أَصْدَقَهَا، وَأَنَّهَا عَرَضَتِ الزِّيَادَةَ فَلَمْ يَقْبَلْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: «النَّاشِزُ لَا يَأْخُذُ مِنْهَا إِلَّا مَا سَاقَ إِلَيْهَا»

وعَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: «مَا أُحِبُّ أَنْ يَأْخُذَ، مِنْهَا كُلَّ مَا أَعْطَاهَا حَتَّى يَدَعَ لَهَا مِنْهُ مَا يُعِيشُهَا»

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ مِنْ قَلِيلِ مَا تَمْلِكُهُ، وَكَثِيرِهِ.

وَاحْتَجُّوا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِعُمُومِ الْآيَةِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ إِحَالَةُ ظَاهِرِ عَامٍّ إِلَى بَاطِنِ خَاصٍّ إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا قَالُوا: وَلَا حُجَّةَ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا بِأَنَّ الْآيَةَ مُرَادٌ بِهَا بَعْضُ الْفِدْيَةِ. دُونَ بَعْضٍ مِنْ أَصْلٍ أَوْ قِيَاسٍ، فَهِيَ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَعُمُومِهَا

عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ:"فِي الْخُلْعِ: خُذْ مَا دُونَ عِقَاصِ شَعْرِهَا، وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ لِتَفْتَدِيَ بِبَعْضِ مَالِهَا"

وَقَالَ آخَرُونَ: هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا}

وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِذَا خِيفَ مِنَ الرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةِ أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ عَلَى سَبِيلِ مَا قَدَّمْنَا الْبَيَانَ عَنْهُ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا مِنْ زَوْجِهَا مِنْ قَلِيلِ مَا تَمْلِكُهُ وَكَثِيرِهِ مِمَّا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَمْلِكُوهُ، وَإِنْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ مُلْكِهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمْ يَخُصَّ مَا أَبَاحَ لَهُمَا مِنْ ذَلِكَ عَلَى حَدٍّ لَا يُجَاوِزُ، بَلْ أَطْلَقَ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَا افْتَدَتْ بِهِ غَيْرَ أَنِّي أَخْتَارُ لِلرَّجُلِ اسْتِحْبَابًا لَا تَحْتِيمًا إِذَا تَبَيَّنَ مِنَ امْرَأَتِهِ أَنَّ افْتَدَاءَهَا مِنْهُ لِغَيْرِ مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ، بَلْ خَوْفًا مِنْهَا عَلَى دِينِهَا أَنْ يُفَارِقَهَا بِغَيْرِ فِدْيَةٍ، وَلَا جُعْلٍ؛ فَإِنْ شَحَّتْ نَفْسُهُ بِذَلِكَ، فَلَا يَبْلُغُ بِمَا يَأْخُذُ مِنْهَا جَمِيعَ مَا آتَاهَا.

فَأَمَّا مَا قَالَهُ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ أَنِّ هَذَا الْحُكْمَ فِي جَمِيعِ الْآيَةِ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا}

فَقَوْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ، فَنَتَشَاغَلُ بِالْإِنَابَةِ عَنْ خَطَئِهِ لِمَعْنَيَيْنِ. أَحَدُهُمَا: إِجْمَاعُ الْجَمِيعِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، عَلَى تَخْطِئَتِهِ وَإِجَازَةِ أَخْذِ الْفِدْيَةِ مِنَ الْمُفْتَدِيَةِ نَفْسَهَا لِزَوْجِهَا، وَفِي ذَلِكَ الْكِفَايَةُ عَنِ الِاسْتِشْهَادِ عَلَى خَطَئِهِ بِغَيْرِهِ. وَالْآخَرُ: أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ إِنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ فِيهَا عَلَى زَوْجِ الْمَرْأَةِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا مِمَّا آتَاهَا، بِأَنْ أَرَادَ الرَّجُلُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ بِزَوْجٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُنَالِكَ خَوْفٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمَا بِمَقَامِ أَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ، وَلَا نُشُوزَ مِنَ الْمَرْأَةِ عَلَى الرَّجُلِ.

وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ أَخْذَ الزَّوْجِ مِنَ امْرَأَتِهِ مَالًا عَلَى وَجْهِ الْإِكْرَاهِ لَهَا وَالْإِضْرَارِ بِهَا حَتَّى تُعْطِيَهُ شَيْئًا مِنْ مَالِهَا عَلَى فِرَاقِهَا حَرَامٌ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ حَبَّةَ فِضَّةٍ فَصَاعِدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت