وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ حَيًّا مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ مَنْ لُغَتُهَا: عَضَلَ يَعْضُلُ، فَمَنْ كَانَ مَنْ لُغَتُهُ عَضَلَ، فَإِنَّهُ إِنْ صَارَ إِلَى يَفْعَلُ، قَالَ: يَعْضَلُ بِفَتْحِ الضَّادِ، وَالْقِرَاءَةُ عَلَى ضَمِّ الضَّادِ دُونَ كَسْرِهَا، وَالضَّمُّ مِنْ لُغَةِ مَنْ قَالَ عَضَلَ، وَأَصْلُ الْعَضْلِ: الضِّيقُ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ رَحْمَةُ اللَّهُ عَلَيْهِ: «وَقَدْ أَعْضَلَ بِي أَهْلُ الْعِرَاقِ، لَا يَرْضَوْنَ عَنْ وَالٍ، وَلَا يَرْضَى عَنْهُمْ وَالٍ» يَعْنِي بِذَلِكَ حَمَلُونِي عَلَى أَمْرٍ ضَيِّقٍ شَدِيدٍ لَا أُطِيقُ الْقِيَامَ بِهِ، وَمِنْهُ أَيْضًا: الدَّاءُ الْعُضَالُ، وَهُوَ الدَّاءُ الَّذِي لَا يُطَاقُ عِلَاجُهُ لِضِيقِهِ عَنِ الْعِلَاجِ، وَتَجَاوُزِهِ حَدَّ الْأَدْوَاءِ الَّتِي يَكُونُ لَهَا عِلَاجٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
[البحر الوافر]
وَلَمْ أَقْذِفْ لِمُؤْمِنَةٍ حَصَانٍ ... بِإِذْنِ اللَّهِ مُوجِبَةً عُضَالًا
وَمَنْ قِيلَ: عَضَلَ الْفَضَاءُ بِالْجَيْشِ لِكَثْرَتِهِمْ: إِذَا ضَاقَ عَنْهُمْ مِنْ كَثْرَتِهِمْ
وَقِيلَ: عَضَلَتِ الْمَرْأَةُ: إِذَا نَشَبَ الْوَلَدُ فِي رَحِمَهَا فَضَاقَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مِنْهَا، وَمِنْهُ قَوْلُ أَوْسِ بْنِ حَجَرٍ:
[البحر الطويل]
وَلَيْسَ أَخُوكَ الدَّائِمُ الْعَهْدِ بِالَّذِي ... يَذُمُّكَ إِنْ وَلَّى وَيُرْضِيكَ مُقْبِلَا
وَلَكِنَّهُ النَّائِي إِذَا كُنْتُ آمِنًا ... وَصَاحِبُكَ الْأَدْنَى إِذَا الْأَمْرُ أَعْضَلَا
و «أَنْ» الَّتِي فِي قَوْلِهِ {أَنْ يَنْكِحْنَ}
فِي مَوْضِعِ نَصْبِ
قَوْلِهِ: {تَعْضُلُوهُنَّ}
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ}
إِذَا تَرَاضَى الْأَزْوَاجُ وَالنِّسَاءُ بِمَا يَحِلُّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا مِنْ أَبْضَاعِهِنَّ مِنَ الْمُهُورِ وَنِكَاحٍ جَدِيدٍ مُسْتَأْنَفٍ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ مِنَ الْعَصَبَةِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَنَعَ الْوَلِيَّ مِنْ عَضْلِ الْمَرْأَةِ إِنْ أَرَادَتِ النِّكَاحَ، وَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَلَوْ كَانَ لِلْمَرْأَةِ إِنْكَاحُ نَفْسِهَا بِغَيْرِ إِنْكَاحِ وَلِيِّهَا إِيَّاهَا، أَوْ كَانَ لَهَا تَوْلِيَةُ مَنْ أَرَادَتْ تَوْلِيَتَهُ فِي إِنْكَاحِهَا لَمْ يَكُنْ لِنَهْيِ وَلِيِّهَا عَنْ عَضْلِهَا مَعْنًى مَفْهُومٌ، إِذْ كَانَ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى عَضْلِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مَتَى أَرَدَاتِ النِّكَاحَ جَازَ لَهَا إِنْكَاحُ نَفْسِهَا أَوِ إِنْكَاحُ مَنْ تُوَكِّلُهُ إِنْكَاحَهَا، فَلَا عَضْلَ هُنَالِكَ لَهَا مِنْ أَحَدٍ، فَيَنْهَى عَاضِلَهَا عَنْ عَضْلِهَا وَفِي فَسَادِ الْقَوْلِ بِأَنْ لَا مَعْنَى لِنَهْيِ اللَّهِ عَمَّا نَهَى عَنْهُ صِحَّةُ الْقَوْلِ بِأَنَّ لِوَلِيِّ الْمَرْأَةِ فِي تَزْوِيجِهَا حَقًّا لَا يَصِحُّ عَقْدُهُ إِلَّا بِهِ، وَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ الْوَلِيَّ مِنْ تَزْوِيجِهَا إِذَا خَطَبَهَا خَاطِبُهَا وَرَضِيَتْ بِهِ، وَكَانَ رِضًى عِنْدَ أَوْلِيَائِهَا جَائِزًا فِي حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ لِمِثْلِهَا أَنْ تُنْكَحَ مِثْلَهُ، وَنَهَاهُ عَنْ خِلَافِهِ مِنْ عَضْلِهَا، وَمَنْعِهَا عَمَّا أَرَادَتْ مِنْ ذَلِكَ وَتَرَاضَتْ هِيَ وَالْخَاطِبُ بِهِ.