وكان ابن عباس يقول: لو لم يكن من الملائكة لم يُؤمر بالسجود، وكان على خِزانة سماء الدنيا، قال: وكان قتادة يقول: جَنَّ عن طاعة ربه.
عن قتادة، في قوله:"إلا إبليسَ كان من الجن"قال: كان من قبيل من الملائكة يقال لهم الحِن [1] .
قال محمد بن إسحاق: أما العرب فيقولون: ما الجنّ إلا كل من اجتَنَّ فلم يُرَ.
وأما قوله: (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ) أي كان من الملائكة [2] ، وذلك أن الملائكة اجتنُّوا فلم يُرَوْا.
وقد قال الله جل ثناؤه: (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) [الصافات: 158] ، وذلك لقول قريش: إن الملائكة بناتُ الله، فيقول الله: إن تكن الملائكة بناتي فإبليس منها، وقد جعلوا بيني وبين إبليس وذريته نسبًا. قال: وقد قال الأعشى، أعشى بني قيس بن ثعلبة البكري، وهو يذكر سليمانَ بن داود وما أعطاه الله:
وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ خَالِدًا أَوْ مُعَمَّرا ... لَكَانَ سُلَيْمَانُ الْبَرِيءُ مِنَ الدَّهْرِ
بَرَاهُ إِلَهِي وَاصْطَفَاهُ عِبَادَهُ ... وَمَلَّكَهُ مَا بَيْنَ ثُرْيَا إِلَى مِصْرَ
وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ الْمَلائِكِ تِسْعَةً ... قِيَامًا لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلا أَجْرِ
قال: فأبت العربُ في لغتها إلا أنّ"الجن"كل ما اجتنَّ. يقول: ما سمَّى الله الجن إلا أنهم اجتنُّوا فلم يُرَوا، وما سمّي بني آدم الإنس إلا أنهم ظهروا فلم يجتنوا. فما ظهر فهو إنس، وما اجتنّ فلم يُرَ فهو جنّ.
وقال الحسن، قال: ما كان إبليسُ من الملائكة طرفةَ عين قطّ، وإنه لأصل الجنّ، كما أن آدم أصل الإنس.
عن قتادة، قال: كان الحسن يقول في قوله:"إلا إبليس كانَ من الجن"ألجأه إلى نسبه فقال الله: (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا) [الكهف: 50] ، وهم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] قال القاضي عياض:
ومما رووه في الْأَخْبَارِ: «أَنَّ خَلْقًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَصَوُا اللَّهَ فَحُرِّقُوا، وَأُمِرُوا أَنْ يَسْجُدُوا لِآدَمَ فَأَبَوْا فَحُرِّقُوا، ثُمَّ آخَرُونَ كَذَلِكَ، حَتَّى سَجَدَ لَهُ مَنْ ذَكَرَ اللَّهُ إِلَّا إِبْلِيسَ .. فِي أَخْبَارٍ لَا أَصْلَ لَهَا تَرُدُّهَا صِحَاحُ الْأَخْبَارِ .. فَلَا يُشْتَغَلُ بها والله أعلم. اهـ (الشفا بتعريف حقوق المصطفى. 2/ 404) .
وقال القاسمي:
للعلماء في إبليس، هل كان من الملائكة أم لا؟ قولان: أحدهما أنه كان من الملائكة. قاله ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن المسيّب، واختاره الشيخ موفق الدين والشيخ أبو الحسن الأشعريّ وأئمة المالكية وابن جرير الطبريّ. قال البغويّ: هذا قول أكثر المفسرين، لأنه سبحانه أمر الملائكة بالسجود لآدم. قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ، فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ فلولا أنه من الملائكة، لما توجه الأمر إليه بالسجود، ولو لم يتوجه الأمر إليه بالسجود لم يكن عاصيا، ولما استحق الخزي والنكال. والقول الثاني أنه كان من الجن، ولم يكن من الملائكة. قاله ابن عباس، في رواية، والحسن وقتادة، واختاره الزمخشريّ وأبو البقاء العكبري والكواشيّ في تفسيره. لقوله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}
[الكهف: 50] ، فهو أصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس، ولأنه خلق من نار، والملائكة خلقوا من نور، ولأن له ذرية، ولا ذرية للملائكة.
قال في الكشاف: إنما تناوله الأمر، وهو للملائكة خاصة، لأن إبليس كان في صحبتهم، وكان يعبد الله عبادتهم، فلما أمروا بالسجود لآدم والتواضع له كرامة له، كان الجنيّ الذي معهم أجدر بأن يتواضع.
والقول الأول هو الصحيح الذي عليه جمهور العلماء وصححه البغوي. وأجابوا عن قوله تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ}
أي من الملائكة الذين هم خزنة الجنة.
قال ابن القيم: الصواب التفصيل في هذه المسألة، وأن القولين في الحقيقة قول واحد. فإن إبليس كان مع الملائكة بصورته وليس منهم بمادته وأصله. كان أصله من نار، وأصل الملائكة من نور. فالنافي كونه من الملائكة، والمثبت، لم يتواردا على محل واحد. وكذلك قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية في الفتاوي المصرية: وقيل إن فرقة من الملائكة خلقوا من النار. سموا «جنّا» ، لاستتارهم عن الأعين، فإبليس كان منهم. والدليل على ذلك قوله تعالى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً}
[الصافات: 158] ، وهو قولهم: الملائكة بنات الله، ولما أخرجه الله من الملائكة جعل له ذرية.
اهـ (محاسن التأويل. 1/ 290 - 291) .
يقول العاجز الفقير: إن إبليس كان معهم ولم يكن منهم، وأقوى الأدلة على ذلك تصريح القرآن بكونه من الجن في قوله تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}
وما ذكره القاسمي من ترجيح بقوله"كان من الملائكة الذين هم خزنة الجنة."لا ينتهض للاستدلال، فلفظ (الجن) وإن أُطلق على الملائكة - مجازا - إلا إنه سيؤدي إلى تأويل فاسد في آية الكهف، فيكون التقدير هكذا (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ) (الملائكة) فكيف يستقيم هذا التأويل؟؟!!!
والأصل في الإطلاق الحقيقة، ولا يصار إلى المجاز إلا إذا تعذر حمل اللفظ على الحقيقة، والله أعلم.
[2] على هذا القول يكون تأويله (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الملائكة) فهل هذا تأويل مستقيم؟؟!!!