فهرس الكتاب

الصفحة 733 من 6201

القول في تأويل قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ}

والشجر في كلام العرب: كلّ ما قام على ساق، ومنه قول الله جل ثناؤه: (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ) [الرحمن: 6] ، يعني بالنجم ما نَجمَ من الأرض من نَبت، وبالشجر ما استقلّ على ساق.

ثم اختلف أهل التأويل في عين الشجرة التي نُهي عن أكل ثمرها آدم، فقال بعضهم: هي السُّنبلة.

قال: هي السنبلة التي جعلها الله رزقًا لولده في الدنيا

وقال آخرون: هي الكرمة.

وقال آخرون: هي التِّينة.

قال أبو جعفر: والقول في ذلك عندنا أن الله جل ثناؤه أخبر عباده أن آدم وزوجَه أكلا من الشجرة التي نهاهُما ربُّهما عن الأكل منها، فأتيا الخطيئة التي نهاهما عن إتيانها بأكلهما ما أكلا منها، بعد أن بيّن الله جل ثناؤه لهما عَين الشجرة التي نهاهما عن الأكل منها، وأشار لهما إليها بقوله:"ولا تقربا هذه الشجرة"، ولم يضع الله جل ثناؤه لعباده المخاطَبين بالقرآن، دلالةً على أيّ أشجار الجنة كان نهيُه آدمَ أن يقربها، بنصٍّ عليها باسمها، ولا بدلالة عليها. ولو كان لله في العلم بأيّ ذلك من أيٍّ رضًا، لم يُخل عبادَه من نَصْب دلالة لهم عليها يَصلون بها إلى معرفة عينها، ليطيعوه بعلمهم بها، كما فعل ذلك في كل ما بالعلم به له رضًا.

فالصواب في ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤه نهى آدمَ وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها، فخالفا إلى ما نهاهما الله عنه، فأكلا منها كما وصفهما الله جل ثناؤه به. ولا علم عندنا أي شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يَضَع لعباده دليلا على ذلك في القرآن، ولا في السنة الصحيحة. فأنَّى يأتي ذلك؟

وقد قيل: كانت شجرة البر، وقيل: كانت شجرة العنب، وقيل: كانت شجرة التين، وجائز أن تكون واحدة منها، وذلك عِلمٌ، إذا عُلم لم ينفع العالمَ به علمه، وإن جهله جاهل لم يضرَّه جهلُه به [2] .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] قال البقاعي:

وفي هذا النهي دليل على أن هذه السكنى لا تدوم، لأن المخلد لا يناسب أن يعرض للحظر بأن يحظر عليه شيء ولا أن يؤمر ولا ينهى، ولذلك دخل عليه الشيطان من جهة الخلد، ولا داعي لبيان نوع الشجرة لأن السياق لبيان شؤم المخالفة، وبركة التوبة، لا لتعيين المنهي عنه فليس بيانه حينئذ من الحكمة. اهـ (نظم الدرر. 1/ 286) .

[2] لله در الطبري في هذا الكلام، فقد أجاد أيما إجادة، ووضع هذه القاعدة النفيسة فيما سكت عنه القرآن.

قال الدكتور/ عبد الكريم الخطيب ما نصه:

نهى الله سبحانه وتعالى آدم عن أن يقرب شجرة من أشجار تلك الجنة التي أسكنه فيها، وأباح له الأكل رغدا من ثمارها.

وهذه الشجرة لم يعرض القرآن لبيان نوعها، ولهذا فهي - في محيط القرآن - غير معروفة النوع ولا الصفة، وإن كانت معروفة لآدم، حيث أشار إليها الحق سبحانه وتعالى، إشارة كاشفة، حين نهاه وزوجه عنها، بقوله سبحانه: «وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ» .

وقد وصف إبليس هذه الشجرة لآدم وحواء، وصفا كاشفا لها، وللمعطيات التي ضمّت عليها، وفى هذا يقول الله تعالى: «فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ، قالَ يا آدَمُ: هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى» (120: طه) ويقول سبحانه:

«فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ، لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ» (20: الأعراف) وهذه الأوصاف التي خلعها إبليس على تلك الشجرة لا تلتقى مع الواقع، ولا تحدّث عن الحق، وإنما هي من تلفيقات إبليس وأكاذيبه، ليخدع بها ويغرى.

ومع ذلك فإن المفسّرين والقصاص، قد ذهبوا في الحديث عن الشجرة ونوعها كل مذهب، مستندين في هذا إلى بعض الروايات المعزوّة إلى بعض الصحابة والتابعين، لتكتسب شيئا من الاحترام والقبول، وهى في حقيقتها إسرائيليات، وأساطير، وخرافات.

فالشجرة، هى «السنبلة» فيما يروى عن ابن عباس.

وهى «الكرمة» فيما يروى عن ابن مسعود، والسّدّىّ.

وهى «التينة» عن ابن جريج.

وهى شجرة «الكافور» .. عن علىّ بن أبى طالب.

وهى شجرة «العلم» - [علم الخير والشر] . عن الكلبي.

وهى شجرة «الخلد» التي كانت تأكل منها الملائكة .. عن ابن جدعان».

وبعيد أن يكون لهذه المقولات مستند صحيح من كتاب أو سنة، وإلا لما كان بينها هذا الاختلاف البعيد، في حقيقة واحدة!

والقرآن الكريم، إذ وقف بالشجرة دون أن يحدّد نوعها، فإنما ذلك لأنها معروفة معهودة لآدم ولزوجه- كما قلنا- ثم إن عدم تحديد نوعها في الحديث عنها إلينا، لا يمنع أن يكون للشجرة مفهوم خاص عندنا، وإن لم يدخل فيه نوعها .. أيّا كان! فلنحاول فهم الشجرة على أنها مجرد شجرة، ليس لها صفة خاصة تمتاز بها، عن الأشجار التي معها، إلا في تحديد ذاتها بالإشارة إليها! فلتكن هذه الشجرة ما تكون .. شجرة كرم، أو تين، أو كافور، بين العديد من مثيلاتها، إلّا أن النهى والتحريم وقع عليها، دون غيرها.

وهذا التحريم لشجرة بعينها، إنما هو امتحان لآدم وابتلاء لعزيمته. اهـ (التفسير القرآني للقرآن. 1/ 69 - 71) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت