فهرس الكتاب

الصفحة 744 من 6201

وَعَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:"حُدِّثْتُ أَنَّ أَوَّلَ مَا ابْتَدَأَهُمَا بِهِ مِنْ كَيْدِهِ إِيَّاهُمَا أَنَّهُ نَاحَ عَلَيْهِمَا نِيَاحَةً أَحْزَنَتَهُمَا حِينَ سَمِعَاهَا، فَقَالَا لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أَبْكِي عَلَيْكُمَا تَمُوتَانِ فَتُفَارِقَانِ مَا أَنْتُمَا فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ وَالْكَرَامَةِ. فَوَقَعَ ذَلِكَ فِي أَنْفُسِهِمَا. ثُمَّ أَتَاهُمَا فَوَسْوَسَ إِلَيْهِمَا، فَقَالَ: {يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} وَقَالَ: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} أَيْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تُخَلَّدَا إِنْ لَمْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ فِي نِعْمَةِ الْجَنَّةِ فَلَا تَمُوتَانِ، يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ} "

قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"وَسْوَسَ الشَّيْطَانُ إِلَى حَوَّاءَ فِي الشَّجَرَةِ حَتَّى أَتَى بِهَا إِلَيْهَا، ثُمَّ حَسَّنَهَا فِي عَيْنِ آدَمَ. قَالَ: فَدَعَاهَا آدَمُ لِحَاجَتِهِ، قَالَتْ: لَا، إِلَّا أَنْ تَأْتِيَ هَهُنَا. فَلَمَّا أَتَى قَالَتْ: لَا، إِلَّا أَنْ تَأْكُلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، قَالَ: فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا."

قَالَ: وَذَهَبَ آدَمُ هَارِبًا فِي الْجَنَّةِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا آدَمُ أَمِنِّي تَفِرُّ؟ قَالَ: لَا يَا رَبِّ، وَلَكِنْ حَيَاءً مِنْكَ. قَالَ: يَا آدَمُ أَنَّى أُتِيتَ؟ قَالَ: مِنْ قِبَلِ حَوَّاءَ أَيْ رَبِّ. فَقَالَ اللَّهُ: فَإِنَّ لَهَا عَلَيَّ أَنْ أدميَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً كَمَا أدَمَيْتُ هَذِهِ الشَّجَرَةَ، وَأَنْ أَجْعَلَهَا سَفِيهَةً، فَقَدْ كُنْتُ خَلَقْتُهَا حَلِيمَةً، وَأَنْ أَجْعَلَهَا تَحْمِلُ كَرْهًا وَتَضَعُ كَرْهًا، فَقَدْ كُنْتُ جَعَلْتُهَا تَحْمِلُ يُسْرًا وَتَضَعُ يُسْرًا.

قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: وَلَوْلَا الْبَلِيَّةُ الَّتِي أَصَابَتْ حَوَّاءَ لَكَانَ نِسَاءُ الدُّنْيَا لَا يَحِضْنَ، وَلَكُنَّ حَلِيمَاتٌ، وَكُنَّ يَحْمِلْنَ يُسْرًا وَيَضَعْنَ يُسْرًا""

عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: «سَمِعْتُهُ يَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا يَسْتَثْنِي مَا أَكَلَ آدَمُ مِنَ الشَّجَرَةِ وَهُوَ يَعْقِلُ، وَلَكِنَّ حَوَّاءَ سَقَتْهُ الْخَمْرَ حَتَّى إِذَا سَكِرَ قَادَتْهُ إِلَيْهَا فَأَكَلَ»

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ عَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى دَوَابِّ الْأَرْضِ أَنَّهَا تَحْمِلُهُ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ مَعَهَا، وَيُكَلِّمَ آدَمَ وَزَوْجَتَهُ، فَكُلُّ الدَّوَابِّ أَبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ، حَتَّى كَلَّمَ الْحَيَّةَ فَقَالَ لَهَا: أَمْنَعُكِ مِنِ ابْنِ آدَمَ، فَأَنْتِ فِي ذِمَّتِي إِنْ أَنْتِ أَدْخَلْتِنِي الْجَنَّةَ. فَجَعَلَتْهُ بَيْنَ نَابَيْنِ مِنْ أَنْيَابِهَا، ثُمَّ دَخَلَتْ بِهِ. فَكَلَّمَهُمَا مِنْ فِيهَا، وَكَانَتْ كَاسِيَةً تَمْشِي عَلَى أَرْبَعِ قَوَائِمَ، فَأَعْرَاهَا اللَّهُ، وَجَعَلَهَا تَمْشِي عَلَى بَطْنِهَا. قَالَ: يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: اقْتُلُوهَا حَيْثُ وَجَدْتُمُوهَا، اخْفِرُوا ذِمَّةَ عَدُوِّ اللَّهِ فِيهَا"

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ:"نَهَى اللَّهُ آدَمَ وَحَوَّاءَ أَنْ يَأْكُلَا مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْجَنَّةِ وَيَأْكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شَاءَا. فَجَاءَ الشَّيْطَانُ فَدَخَلَ فِي جَوْفِ الْحَيَّةِ، فَكَلَّمَ حَوَّاءَ، وَوَسْوَسَ الشَّيْطَانُ إِلَى آدَمَ، فَقَالَ: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} قَالَ: فَعَضَّتْ حَوَّاءُ الشَّجَرَةَ، فَدَمِيَتِ الشَّجَرَةُ وَسَقَطَ عَنْهُمَا رِيَاشُهُمَا الَّذِي كَانَ عَلَيْهِمَا {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} لِمَ أَكَلْتَهَا وَقَدْ نَهَيْتُكَ عَنْهَا؟ قَالَ: يَا رَبِّ أَطْعَمَتْنِي حَوَّاءُ. قَالَ لِحَوَّاءَ: لِمَ أَطْعَمْتِهِ؟ قَالَتْ: أَمَرَتْنِي الْحَيَّةُ. قَالَ لِلْحَيَّةِ: لِمَ أَمَرْتِهَا؟ قَالَتْ: أَمَرَنِي إِبْلِيسُ. قَالَ: مَلْعُونٌ مَدْحُورٌ. أَمَّا أَنْتِ يَا حَوَّاءُ فَكَمَا أدْمَيْتِ الشَّجَرَةَ فَتَدْمِينَ فِي كُلِّ هِلَالٍ."

وَأَمَّا أَنْتِ يَا حَيَّةُ فَأَقْطَعُ قَوَائِمَكِ فَتَمْشِينَ جَرْيًا عَلَى وَجْهِكِ وَسَيَشْدَخُ رَأْسَكِ مَنْ لَقِيَكِ بِالْحَجَرِ؛ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ" [1] "

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ رَوَيْتُ هَذِهِ الْأَخْبَارِ عَمَّنْ رُوِّينَاهَا عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ فِي صِفَةِ اسْتِزْلَالِ إِبْلِيسَ عَدُوِّ اللَّهِ آدَمَ وَزَوْجَتَهُ حَتَّى أَخْرَجَهُمَا مِنَ الْجَنَّةِ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] قال الدكتور/ محمد أبو شهبة:

ويرحم الله ابن جرير، فقد أشار بذكره الرواية عن وهب: إلى أن ما يرويه عن ابن عباس، وابن مسعود إنما مرجعه إلى وهب وغيره من مُسلِمة أهل الكتاب، ويا لتيه لم ينقل شيئا من هذا، ويا ليت من جاء بعده من المفسرين صانوا تفاسيرهم عن مثل هذا.

وفي رواية ابن جرير الأولى ما يدل على أن الذين رووا عن وهب وغيره كانوا يشكون فيما يروونه لهم، فقد جاء في آخرها:"قال عمرو، قيل لوهب: وما كانت الملائكة تأكل؟!! قال: يفعل الله ما يشاء"فهم قد استشكلوا عليه: كيف أن الملائكة تأكل؟! وهو لم يأتِ بجواب يُعتدُّ به.

ووسوسة إبليس لآدم عليه السلام لا تتوقف على دخوله في بطن الحية؛ إذ الوسوسة لا تحتاج إلى قرب ولا مشافهة، وقد يوسوس إليه وهو على بعد أميال منه، والحية خلقها الله يوم خلقها على هذا، ولم تكن لها قوائم كالبختي، ولا شيء من هذا. اهـ

ثم قال - رحمه الله - معلقا على ذلك في هامش كتابه:

انظر التوراة، سفر التكوين، الإصحاح الثالث؛ لتزداد يقينا أنه من الإسرائيليات وليس منه شيء عن المعصوم صلى الله عليه وسلم. اهـ (الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير. 179 - 180) .

وقال ابن جزي:

اختلفوا في أكل آدم من الشجرة فالأظهر أنه كان على وجه النسيان: لقوله تعالى: (فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) [طه: 115] وقيل سكر من خمر الجنة فحينئذ أكل منها، وهذا باطل لأن خمر الجنة لا تسكر، وقيل: أكل عمدا وهي معصية صغرى، وهذا عند من أجاز على الأنبياء الصغائر، وقيل: تأوّل آدم أن النهي: كان عن شجرة معينة فأكل من غيرها من جنسها، وقيل: لما حلف له إبليس صدقه لأنه ظنّ أنه لا يحلف أحد كذبا. اهـ (التسهيل لعلوم التنزيل. 80) . =

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت