أقول: ليته التزم بهذا الأصل، لكنا وجدناه رد بعض القراءات المتواترة في بعض المواضع، منها على سبيل المثال:
قَولُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}
الْقُرَّاءُ مُخْتَلِفُونَ فِي تِلَاوَةِ (مَلِكِ يَوْمَ الدِّينِ) ، فَبَعْضُهُمْ يَتْلُوهُ: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وَبَعْضُهُمْ يَتْلُوهُ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} وَبَعْضُهُمْ يَتْلُوهُ: (مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ) بِنَصْبِ الْكَافِ. اهـ
ثم قال:
فَبَيِّنٌ إِذًا أَنَّ أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ وَأَحَقَّ التَّأْوِيلَيْنِ بِالْكِتَابِ: قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ، بِمَعْنَى إِخْلَاصِ الْمُلْكِ لَهُ يَوْمَ الدِّينِ، دُونَ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} بِمَعْنَى: أَنَّهُ يَمْلِكُ الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ وَفَصْلَ الْقَضَاءِ مُتَفَرِّدًا بِهِ دُونَ سَائِرِ خَلْقِهِ. انتهى كلامه.
أقول: قال السيوطي فِي نواهد الأبكار - عند قوله تعالى في سورة الفاتحة {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) } - ما نصه:
قوله: (وقرأ الباقون ملك، وهو المختار) .
عبارة غير حسنة، لأن كلتا القراءتين متواترة، فلا يحسن أن يقال في إحداهما: إنها المختارة، لما يشعر به من أن الأخرى بخلاف ذلك.
وقد أنكر جماعة من الأئمة على من رجح قراءة على قراءة.
قال السمين: ما ذكر فِي ترجيح (مالك) على (ملك) ، وبالعكس غير مرضي، لأن كلتا القراءتين متواترة، وقد روى أبو عمر الزاهد عن ثعلب أنه قال: إذا اختلف الإعراب فِي القرآن عن السبعة لم أفضل إعرابا على إعراب فِي القرآن، فإذا خرجت إلى كلام الناس فضلت الأقوى.
وقال أبو شامة: أكثر المصنفون من الترجيح بين هاتين القراءتين حتى إن بعضهم يبالغ فِي ذلك إلى حد يكاد يسقط وجه القراءة الأخرى، وليس هذا بمحمود بعد ثبوت القراءتين، وصحة اتصاف الرب تعالى بهما. والأولى أن يعبر بدل الاختيار بالأمدح والأبلغ. اهـ (نواهد الأبكار. 1/ 286 - 287) .
وقال أيضا:
قال الطيبي: وإذا ثبت مثله فِي كلام الفصحاء، ونقل عمن ثبتت عصمته من الغلط وجب القبول.
وأما القراء فهم أعدل من النحاة فوجب المصير إلى قولهم. اهـ (نواهد الأبكار. 1/ 440) .
وَقَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا ... (36) }
اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ فَقَرَأَتْهُ عَامَّتُهُمْ: {فَأَزَلَّهُمَا} بِتَشْدِيدِ اللَّامِ، بِمَعْنَى اسْتَزَلَّهُمَا؛ مِنْ قَوْلِكَ: زَلَّ الرَّجُلُ فِي دِينِهِ: إِذَا هَفَا فِيهِ وَأَخْطَأَ فَأَتَى مَا لَيْسَ لَهُ إِتْيَانُهُ فِيهِ، وَأَزَلَّهُ غَيْرُهُ: إِذَا سَبَّبَ لَهُ مَا يَزِلُّ مِنْ أَجْلِهِ فِي دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ.
وَقَرَأَهُ آخَرُونَ: (فَأَزَالَهُمَا) بِمَعْنَى إِزَالَةِ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ، وَذَلِكَ تَنْحِيَتُهُ عَنْهُ.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: {فَأَزَلَّهُمَا} لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَخْبَرَ فِي الْحَرْفِ الَّذِي يَتْلُوهُ بِأَنَّ إِبْلِيسَ أَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ، وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فَأَزَالَهُمَا، فَلَا وَجْهَ إِذْ كَانَ مَعْنَى الْإِزَالَةِ مَعْنَى التَّنْحِيَةِ وَالْإِخْرَاجِ أَنْ يُقَالَ: فَأَزَالَهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ، فَيَكُونَ كَقَوْلِهِ: فَأَزَالَهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَزَالَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ، وَلَكِنَّ الْمَعْنَى الْمَفْهُومَ أَنْ يُقَالَ: فَاسْتَزَلَّهُمَا إِبْلِيسُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ} وَقَرَأَتْ بِهِ الْقُرَّاءُ، فَأَخْرَجَهُمَا بِاسْتِزْلَالِهِ إِيَّاهُمَا مِنَ الْجَنَّةِ. اهـ
أقول: هذه قراءة حمزة بن حبيب الزيات - رحمه الله - أحد أئمة القراء السبعة والعشرة، وهي قراءة متواترة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن ثَمَّ فلا وجه لما ذكره الإمام الطبري من ترجيح بين القراءتين.