وَقَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259) }
ثُمَّ اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ} فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ: {قَالَ اعْلَمْ} عَلَى مَعْنَى الْأَمْرِ بِوَصْلِ الْأَلْفِ مِنْ «أَعْلَمُ» ، وَجْزِمِ الْمِيمِ مِنْهَا.
وَهِيَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَيَذْكُرُونَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (قِيلَ اعْلَمْ) عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ مِنَ اللَّهِ لِلَّذِي أُحْيِيَ بَعْدَ مَمَاتِهِ، فَأُمِرَ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يُحْيِيهِ اللَّهُ بَعْدَ مَمَاتِهِ وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ: {قَالَ أَعْلَمُ} عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنْ نَفْسِهِ لِلْمُتَكَلِّمِ بِهِ بِهَمْزِ أَلْفِ {أَعْلَمُ} وَقَطْعِهَا وَرَفْعِ الْمِيمِ، بِمَعْنَى: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ بِمُعَايَنَتِهِ مَا عَايَنَهُ، قَالَ: أَلَيْسَ ذَلِكَ، أَعْلَمُ الْآنَ أَنَا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؟ وَبِذَلِكَ قَرَأَ عَامَّةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مِنْ قَرَأَ: (اعْلَمْ) بِوَصْلِ الْأَلْفِ وَجَزْمِ الْمِيمِ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ [1] لِلَّذِي قَدْ أَحْيَاهُ بَعْدَ مَمَاتِهِ بِالْأَمْرِ بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ الَّذِي أَرَاهُ بِعَيْنَيْهِ مَا أَرَاهُ مِنْ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ مِنْ إِحْيَائِهِ إِيَّاهُ وَحِمَارَهُ بَعْدَ مَوْتِ مِائَةِ عَامٍ وَبَلَائِهِ حَتَّى عَادَا كَهَيْئَتِهِمَا يَوْمَ قَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا، وَحَفِظَ عَلَيْهِ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِائَةَ عَامٍ حَتَّى رَدَّهُ عَلَيْهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَضَعَهُ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ عَلَى كُلِّ شَيْءِ قَادِرٌ كَذَلِكَ.
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا قِرَاءَةَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَحَكَمْنَا لَهُ بِالصَّوَابِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكَلَامِ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَوْلًا لِلَّذِي أَحْيَاهُ اللَّهُ بَعْدَ مَمَاتِهِ وَخِطَابًا لَهُ بِهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: {فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ} ، {وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا}
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ جَوَابًا عَنْ مَسْأَلَتِهِ رَبَّهُ: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} ؟ قَالَ اللَّهُ لَهُ: اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِي فَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ عَلَى مَا رَأَيْتَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ قَدِيرٌ كَقُدْرَتِهِ عَلَى مَا رَأَيْتَ وَأَمْثَالِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِخَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَعْدَ أَنْ أَجَابَهُ عَنْ مَسْأَلَتِهِ إِيَّاهُ فِي قَوْلِهِ: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} {وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}
فَأَمَرَ إِبْرَاهِيمَ بِأَنْ يَعْلَمَ بَعْدَ أَنْ أَرَاهُ كَيْفِيَّةَ إِحْيَائِهِ الْمَوْتَى أَنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، فَكَذَلِكَ أَمَرَ الَّذِي سَأَلَ فَقَالَ: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا}
بَعْدَ أَنْ أَرَاهُ كَيْفِيَّةَ إِحْيَائِهِ إِيَّاهَا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. انتهى كلامه.
قال السمين:
قوله: {قَالَ أَعْلَمُ} الجمهورُ على «قال» مبنياً للفاعلِ. وفي فاعلِهِ على قراءةِ حمزة والكسائي: «اعْلَمْ» أمراً من «عَلِمَ» قولان، أظهرِهُما: أنه ضميرٌ يعودُ على اللِّهِ تعالى أو على المَلِكِ، أي: قال اللَّهُ أو المَلِكُ أو المَلِكُ لذلك المارِّ اعْلَمْ.
والثاني: أنه ضميرٌ يعودُ على المارِّ نفسهِ، نَزَّلَ نفسَه منزلَةَ الأجنبي فخاطَبَهَا.
قال أبو البقاء: «ما تقولُ لنفسِك: اعلمْ يا عبدَ الله، ويُسَمَّى هذا التجريدَ» يعني كأنه جَرَّد من نفسه مخاطباً يخاطِبُه.
وأمَّا على قراءةِ غيرهما: «أعلمُ» مضارعاً للمتكلمِ ففاعلُ «قال» ضميرُ المارِّ، أي: قال المارُّ: أعلَمُ أنا.
وقرأ حمزة والكسائي: «اعلمْ» على الأمر، والباقون: «أعلمُ» مضارعاً. اهـ (الدر المصون. 2/ 571 - 572) .