وإذا كان جميع ما وصفنا حرامًا، فإن نكح الرجل يده حرام.
ألا ترى أنه إذا حرم عليه أن ينكح ذكرًا كان التلذذ بجميع أعضائه في التحريم كالمباشرة الكبرى فأولى أن يكون نكاح يد نفسه حرامًا عليه.
فإن نفسه أولى النفوس بأن يحافظ على حرمتها ويحميها بما نقص منها.
قال الله عز وجل: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} .
وقال: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} .
وهذا ليس بواحد منها.
وكذلك المرأة تباشر المرأة وتتلذذ بها حرام ذلك عليها.
وقد جاء في الحديث: «من أشراط الساعة أن يستغني الرجال بالرجال والنساء بالنساء» .
فجعلا بمنزلة واحدة.
وفيما يقال: إن في زبور داود عليه السلام: ليس الفسق كله بفسق، وإن كان صاحبه عندي ملعونًا.
ولكن من أمكن من نفسه من الرجال، والنساء من النساء، فإن ذلك ما يهتز به عرشي، ويثقل على حملته، فأقول: إصبر، فإني أنا الحليم الذي لا أعجل.
وقد خلق الله الزوجين الذكر والأنثى، يجعل كل واحد منهما موضع مستمتع للآخر على الشرائط التي شرطها في كتابه، وعلى لسانه رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -.
وما خرج عن ذلك مما يؤدي إلى إضاعة الماء الذي يكون منه الولد فهو حرام لخروجه عن الحد الذي وضعه الله تعالى لقضاء الشهوة، ومخالفة الغرض الذي لأجله يركب الله الشهوة في الرجال والنساء.
فإنه إنما ركبها ليكون قضاؤها سببًا لدوام النسل.
فمن قضاها من الرجال بالرجال، ومن النساء بالنساء، فقد خالف بها سبيلها، وأضاع الماء الذي يكون منه فهو منه حرام، وضع موضع لا يمكن أن يكون منه نسل.
وذلك فيه إسقاط الجنين، والحيلولة بينه وبين أن ينشأ وينمو فيخرج، وكذلك لمن ابتغى ولدًا من حرام فلا ولد له، لأنه لا يثبت بينه وبينه شيء من احكام الولاية، وهو مضيع لما به، مستوجب بوضعه فيمن لا تحل له العقوبة، وإذا كان ابتغاؤه من حلال محتسبًا كان مأجورًا، ووجه الاحتساب فيه أن يريد مباشرة أهله أو جاريته طلب ولد، فعل الله تعالى إذا رزقه بلغه ووفقه وعلمه، فكان من عباده وموحديه، ومقدسيه في أرضه، والداعين إلى دينه، والمجاهدين في سبيله والمكثرين من أمة نبيه - صلى الله عليه وسلّم -.
وقد جاء أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «تناكحوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة» .
وإنه قال: «سوداء ولود خير من حسناء عقيم» .
وإن رجلًا استشاره فيها مرتين أو ثلاثًا كان ذلك يقول: لا، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «لامرأة سوداء تلد أحب إلي من امرأة حسناء لا تلد. أما علمتم أني مكاثر بكم الأمم حتى بالسقط إنه ليؤتى به يوم القيامة فيظل ممتنعًا على باب الجنة.
فيقال له: ادخل فيقول: لا، حتى يلحقني أبواي».
وجاء في الحديث أن في الموؤودة الصغرى.
فإذا كان ذلك كذلك، فوضع الرجل ماءه في ذكر، أو امرأة ماءها في المرأة، أقرب إلى الوأد، فينبغي أن يكون بالتحريم أحق.