والآخر أن يكون المراد بوضع الأجنحة فرشها، لأن في بعض الروايات أن الملائكة تفرش أجنحتها: أي إن الملائكة إذا رأت طالب العلم فرشت له أجنحتها في رجليه وحملته عليها فمن هناك يسلم فلا يخفي إن كان ماشيًا، ولا يعنى، ويقرب عليه الطريق البعيد، ولا يصيبه ما يصيب المسافرين من أنواع الضرر كالمريض وذهاب المال وضلال الطريق والحصر والله أعلم.
وإذا قلنا بالوجه الأول، فيحتمل أن الملائكة الكرام الكاتبون، أولها ينظر إلى كتبة العلم الذين وصفناهم، يعني: البهاء والجلال.
فتستشعر في أنفسها تعظيمهم وتوقرهم.
وجعل وضع الجناح وفرشه مثلًا لذلك.
أي أنها إنما تفعل مع طلاب العلم نحو مما كانت تفعل مع الأنبياء صلوات الله عليهم، لأن العلماء ورثة الأنبياء.
ويحتمل أن يجتمع تواضع الملائكة لهم استشعارهم في نفوسهم فضلهم وعلو مقدارهم والدعاء لهم، والرغبة إلى الله - عز وجل - تأييدهم وتوفيقهم وتسديدهم والله أعلم.
فإن كان ما ذكر عن الملائكة في الآخر فلا يعلم له.
بمعنى إلا أن الملائكة تتلقاهم يوم القيامة معظمين إياهم متواضعين لهم، فيحيونهم تحيات شريفة ويبشرونهم بما هم لاقوه من إحسان الله - عز وجل - إليهم، ويكون إلقاؤهم ذلك إليهم على سبيل التصابر عنهم، لا على وجه الموقع عليهم، وذلك لما كانت ترضاه من صنعنا، الذي كان الناسخون للأعمال يرفعونه عنهم، حين كانوا في الدنيا والله أعلم.
ويحتمل أن يكون استغفار الحيتان وطير السماء والوحوش لطالب العلم، أن يكتب الله تعالى تعدد كل من أنواع الحيوانات الأرضية تستغفره سبحانه.
وجه الحكم في هذا أن إصلاح العالم بأسره بالعلم.
ألا ترى أن بالعلم يدرك الطير من السماء، لا يبغي أن يؤذى ويخرج ويقتل إلا إلى الله.
ولا يجوز أن يرمي فيخرج أو يقتل نائمًا.
وأنه لا يجوز إزعاجها عن مكانها للرجل يأخذ فراخها من أوكارها، وأن ما يمسك منها إذا قص جناحه، ومنع أن يطلب رزقه لم يجز تعذيبه بالجوع والعطش، ولا إمساكه في حر أو برد، ولا يحبسه حيث يناله تلف.
وبالعلم يدرك أن إقرار الحيتان في الماء إذا لم يكن إليها حاجة، واجب.
ولا يجوز التباهي بإخراجها من الماء والنظر إلى اضطرابها في أكبر من غير قصد إلى أكلها.
وأنها إذا اصطيدت للأكل وألقيت في البحر، وجب الصبر عليها إلى أن تموت.
ولم يجز وقده بالعصا أو الحجر.
وبالعلم كان ينهي عنها ليالي السبت وأيامه حين كان اصطيادها في هذه الأوقات حرامًا.
وبالعلم استحلت بعد ذلك، وبالعلم تفضل بين الحلال والحرام من الرجس، فيبقى الحرام ويجنب الجلال في الإحرام والحرم.
وعزى كل منها إذا أصيبت، ومن الطائر بما هو جزاؤه، ولا يقبل الحلال الأكل تذكيه إلى أكله ولا يؤدى من الحرام إلا ما كان ضارًا مؤذيًا.
فما من شيء مما ذكر في الحديث إلا له مصلحة معقودة بالعلم.
فإن كتب الله تعالى على كل نوع من الأنواع المذكورة لطالب العلم استغفاره فيجازه جزاء له عنها بعلمه المعقود به صلاحها، لم يكن ذلك مستبعدًا ولا مستنكرًا والله أعلم.