وأما قوله عز وجل: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} .
فقد قيل نزل في قتل حمزة رضي الله عنه.
قال النبي - صلى الله عليه وسلّم - لما رآه قد مثل به قال: «لئن أظهرني الله عليهم لأصنعن بثلاثين منهم مثل الذي صنعوا بحمزة» .
فأنزل الله عز وجل: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} ثم قال: {وَلَئِن صَبَرْتُمْ} عن المجازاة والمماثلة {لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} ولم يقل: فهو خير لكم.
لأن الصبر ليس بمستحب لهم، ولكن لكل مصاب بظلم، فالصبر على الانتقام والتشفي من ظالمه في الدنيا، فذلك أشفى لصدر المظلوم، من أن يفعل في الدنيا به مثل ما فعل.
لأن أدنى ما يمسه من وهج النار أعظم وأكثر من كل ما يمكن أن يفعل بالظالم، ويأتيه بمكافئه في الدنيا.
وأما أن يكون الظالم وقد صار إلى ما يوجب له مغفرة الله تعالى في الآخرة فالله تعالى يعوض المظلوم ما أصابه من الظلم الذي لحقه، ما هو أعلى قدرًا وأجل خطرًا وأعظم نفعًا منه.
فإذا كان كذلك بان بأن الصبر خير للمظلوم من التشفي والانتقام، وقال عز وجل: {وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} .
وقال: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ} .
فأخبر - عز وجل - أن ما يصيب الناس من زوال نعمة عنهم، فإنما سببه حادث وقع منهم.
إما ترك الشكر، وإما ارتكاب معصية بعد إحسان الله تعالى بالخوف.
وقد يجوز أن يكون هذا الكلام خارجًا على الأغلب الأكثر، أي فإذا كان هذا هكذا، فلا تحزنوا من المصيبة إذا وقعت، وارجعوا باللوم على أنفسهم، ويحفظوا من الأسباب المؤدية إلى المصائب قبل أن تقع لئلا تقع.
وهذا فإن المصيبة بما يمكن بحكم العادة أن تدوم كالصحة والثروة والذكر الحسن والعلم والحكمة ونحوها والله أعلم.
وأما قول الله عز وجل: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ} يحتمل ـ والله أعلم ـ ما أصاب من مصيبة عامة ولا خاصة إلا وقد كتبها الله في اللوح المحفوظ من قبل أن يرفعها وينزلها، فقد أعلمكم ذلك، وبينه لكم لكيلا تأسوا على ما فاتكم، وتعلموا أن الغبطة كانت مقدرة بالوقت الذي جاوزتكم فيه.
ومن أعطى شيئًا إلى وقت لم يمنع له إذا استرجع منه بعد ذلك أن يحزن.
ولا تفرحوا بما أتاكم، أي لا تسروا به وتنظروا به وتتكبروا به، على من لم يؤت مثل ما أوتيتم، لأنه عارية عندكم وليست بملك.
فإن حقيقة الملك لله عز وجل، وليس للمستعير أن يتبذخ بالعارية، لأنه لا يأمن في كل لحظة أن يسترجعها منه صاحبها، فنعم الدنيا هكذا والله أعلم.