وجاء في فضل هذا الصيام أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «ألا أنبئكم بما يذهب وخز الصدر صيام ثلاثة أيام من كل شهر» .
قال علي رضي الله عنه: وخز الصدر علة دائمة.
وقال مجاهد: علة وحسرة.
وأما صيام الاثنين والخميس وتخصيصهما، فذلك من أيام الشهر.
فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه كان يصوم الاثنين والخميس.
روى قتادة قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - تعرض الأعمال يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر الله الذنوب إلا ما كان من متشاحن أو قاطع رحم، فإنهما يؤخران، فكان علي رضي الله عنه يصوم الاثنين والخميس وكان أسامة بن زيد يصومهما ويقول: ألا أحب أن يعرض عملي إلا وأنا صائم، ويحتمل عرض الأعمال أن الملائكة الموكلين بأعمال بني آدم يتناوبون، فيقيم معهم فريق من الاثنين إلى الخميس ثم يعرضون.
وفريق من الخميس إلى الاثنين ثم يعرجون، فكلما عرج أحد الفريقين كافوا ما كتب في الموقف الذي له من السماوات، فيكون ذلك عرضًا في الصورة.
ويحتسب الله تعالى عبادة للملائكة.
فأما هو في نفسه - عز وجل - فغني عن عرضهم بسبحهم فهو أعلم بما كسبه العباد من العباد، ومنهم أن يكون العرض على كثير من الملائكة تصرفهم بأمر الله عز وجل، فرقًا بعد فرق، ليخصوا أعمال بني آدم، ويحفظوها وينسخوها ويرفعوها، إما في كل اثنين، وإما في كل خميس على ما يثبت.
ثم قد يجوز أن يكون ذلك بالملك جبريل صلوات الله عليه، لأن الله - عز وجل - وصفه بأنه مطاع، وذلك يدل على أنه أمار في موضعه إذا أطاعه لا يكون إلا لأمر، فقد يحتمل أن يكون الصرف للملائكة على هذا الشغل جبريل عليه السلام، وعليه يكون العرض.
ويكون العرض أن يؤدي كل فريق إليه ما كان بلغه من العمل بسبب، فيخرج من جهده الطاعة، وإلا فالباريء - عز وجل - لا يتأخر علمه بأعمال عباده إلى أن يعرض عليه والله أعلم.
وأما صوم الدهر فليس بمستحب، سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - عن رجل يصوم الدهر، قال: «لا صام ولا أفطر» .
وهذا القول يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون دعاء عليه لغلوه وإفراطه.
والآخر بأن يكون خبرًا عنه لا مجهود بالصوم ولا مترفة بالفطر.
لأن من صام دائمًا صار الصوم له عادة، فكان أكله من الليل إلى الليل، كأكل المفطر من الظهر إلى الظهر، ومن الضحى إلى الضحى، وزالت عنه المشقة، فلم يحس بجوع ولا عطش وإذا كان كذلك، كان كأنه غير صائم، وهو مع ذلك غير مفطر.
فقد يجوز أن يكون أراد بقوله (لا صام ولا أفطر) هذا والله أعلم.