فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 1217

وروي أن خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون دخلت على عائشة رضي الله عنها وهي متعسفة هشة الهيئة، فقالت لها عائشة: لم تصنعين هذا؟ فقالت: إن صاحبي لا يريد النساء، يصوم النهار ويقوم الليل، وأراد أن يترهب.

فذكرت عائشة ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلّم - فقال: «لكن أنا أصوم وأفطر وأرقد وأقوم، وليس في ديننا الرهبانية، فمن رغب عن ملتي فليس مني» .

وقال عبد الله بن عمر: وقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «يا عبد الله بن عمر، تصوم النهار وتقوم الليل؟ قلت: نعم قال: فلا تفعل، فإنك إذا فعلت ذلك هجنت عيناك وتعنف نفسك، لكن صم وأفطر، فإن لأهلك عليك حقًا ولجسدك حقًا.

صم ثلاثة أيام من كل شهر، وذلك صوم الدهر.

قلت: يا رسول الله، إني أجد قوة: قال: لا تفعل، لا صام من صام إلى الأبد، إن كنت لا بد صائمًا فصم صوم داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يفر إذا لاقى».

وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم: «في صيام داود أربعة ألفاظ: أحدها الحكاية والجن، والآخر الترغيب والأمر، والثالث: إن قال: أفضل الصيام والرابع: أنه أعدل الصيام، فأما الجن فهو ما روى أن رجلًا قال: يا رسول الله، أرأيت رجلًا يصوم يومًا ويفطر يومًا؟ قال: «ذاك صوم أخي داود، قال: فرجل يصوم يومًا ويفطر يومًا؟ قال: وددت أني أطيق ذلك.

قال: أرأيت رجلًا يصوم يومين ويفطر يومين؟ قال: ومن يطيق ذلك».

فأما الترغيب فهو ما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «صم صوم داود، صم يومًا وأفطر يومًا» .

وإما أن ذلك أفضل الصيام، فقد روي عن عبد الله بن عمر، وأيضًا أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «إن أفضل الصوم صوم أخي داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا» ، ولا يقر إذًا لأجل، وأيضًا أنه أعدل.

فقد رواه أيضًا عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «أعدل الصيام عند الله صيام الدهر» ، معنى هذا ـ والله أعلم ـ أن من صام يومًا وأفطر يومًا، لم يألف الصيام قط، ويكون كل يوم يصوم له في اليوم الأول، وهذه مشقة.

ثم إنه من يبق بالفطر مقدار ما يتحمل من جهة الصوم، فلذلك كان هذا أعدل الصيام وبالله التوفيق.

فلا ينبغي لأحد أن يجهد نفسه فيحملها من العبادة فوق طاقتها، فإن ذلك يحول بينه وبين المداومة، ويقطعه من العبادة أصلًا في بعض الأوقات، كما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى» .

وجاء عنه - صلى الله عليه وسلّم - قال: «كلفوا من الأعمال ما يطيقونه، فإن الله لا يمل حتى يملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلت» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت