فهرس الكتاب

الصفحة 222 من 1217

وأما إعادة رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - في الصيام فهو ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي - صلى الله عليه وسلّم - يصوم الشهر حتى نقول: ما يريد أن يفطر منه شيئًا.

ويفطر من الشهر حتى نقول: ما نريد أن يصوم منه شيئًا، وكان يستاء أن نجده مصليًا من الليل إلا رأيته أو نائمًا إلا رأيته».

أرادت أنه كان لا يصوم شهرًا كله ولا يفطر شهرًا كله، ولا يقوم ليلة كلها ولا ينام ليلة كلها.

وروي عن أنس نحو ذلك.

وعن أنس رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - يسألون عن عبادة النبي - صلى الله عليه وسلّم -، فلما أخبروا بها كأنهم تعالوها.

فقالوا: وأين نحن من النبي - صلى الله عليه وسلّم - فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

فقال أحدهم: فأصلي الليل أبدًا.

وقال الآخر: أنا أصوم الدهر كله لا أفطر.

وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا.

فجاء النبي - صلى الله عليه وسلّم - فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله، إني لأخشاكم الله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» .

وقد يجوز أن يكون ما روي عنه من صيام الاثنين والخميس أنه كان إذا لم يرد أيامًا، وأراد أن يصوم يومًا، وجده تحرى أن يكون ذلك الاثنين والخميس.

ومن جمله الصيام شعبان، روي عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه كان يصوم شعبان ورمضان وقالت عائشة رضي الله عنها: لم أر رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - يصوم في شهر أكثر من صيامه في شعبان، كان يصوم شعبان إلا قليلًا، ما كان يصومه كله.

وجاء عنه - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «إذا انتصف شعبان فكفوا عن الصوم» .

ويحتمل أنه كان يصوم ويأمر أمته أن يكفوا عند انتصافه عن الصيام، كما كان يواصل.

ونهى أمته عن الوصال، فإنه ربما خشي على أمته الضعف وكان آمنًا في نفسه، لأنه قد قال في الوصال: «إني لست كأحدكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني» .

فقد يحتمل أنه كان يطعمه ويسقيه على الحقيقة، بأن يخلق في جوفه طعامًا وشرابًا فيشبعه ويرويه.

ويحتمل أنه كان يدفع عنه الجوع ويقويه ويغنيه عن الطعام والشراب، ويصرف عنه شهوتهما، فيكون كالطاعم الشارب والله أعلم.

وأما صيام رجب.

فإني لم أجد لها في الأصول المعروفة ذاكرًا، سوى ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - سئل صوم رجب قال: «فأين أنتم من شعبان» .

وهذا يحتمل أن معناه أن رجب قد ظهر فضله فإنه من الأشهر الحرم، وكان معظمنا في الجاهلية يدعى شهر الله الأصم.

فلا يحمل فيه السلاح ولا تسمع قعقته، فلا تسألوني عنه، واسألوني عن شعبان.

فإن كان هذا.

فقد يجوز أن يكون صومه مستحبًا، ويحتمل أن يكون معناه أن رجب مفضل عن شهر رمضان فهو كالأشهر التي قبله، وإنما المتصل بشهر رمضان والمبشر به، والشبه من بعض الوجوه به شعبان، فإن فيه ليلة الصكاك كما في شهر رمضان ليلة القدر، فاسألوني عنه لا عن رجب.

وهذا أشبه، لأن ذا القعدة من الأشهر الحرم، وما ورد في صيامه خير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت