وإذا تأمل المتأمل وجد قول العرب: إن الملائكة ولد الله نازعًا إلى قول الأوائل الذين يسمونهم ترابى، ويزعمون أنهم قاصوا عنه، فإن كل ولد فهو يأتي والده وقابض عنه.
ثم أن العرب سمتهم أولادًا كما يقولون في كثير من الأشياء: تولد هذا من هذا، وتجاوزت ذلك إلى تسميتهم بنات، على معنى أنهم محجوبون عن الأبصار، فهم كالمخدرات من الأولاد، وهن البنات فرد الله تعالى ذلك كله عليهم، وانتقى منه، فأنكره وأخبر أنه: لا منزلة للملائكة إلا أنهم عباد مكرمون، وأبان عن فضل خشيتهم ورهبتهم له، ودل على أن كرامتهم عنده إنما هي لأجل طاعتهم له، ولو عصوه لعذبهم بالنار، كسائر العصاة.
فهذا هو الذي ينبغي أن يعتقد فيهم، فيكون ذلك إيمانهم ألا ترى أن الإيمان بالمسيح صلوات الله عليه ليس أن يترك فوق منزلته، كما يقول النصراني، لكن ذلك كفر بالله عز وجل، وبه أيضًا، وإنما الإيمان به أن يعتقد فيه أنه عبد الله ورسوله، فكذلك الإيمان بالملائكة، ليس أن ينزلوا فوق منازلهم، لكن أن لا يبخسوا حظًا جعله الله تعالى لهم من فضله والله أعلم.
وأما تصريفهم على ما يصرفهم الله تعالى عليه في الدنيا والآخرة، فقد قال الله عز وجل: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} .
وقال {وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى} .
يعني الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى إلى قوم لوط وقالوا: {إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ} .
وقال: {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا} .
وقال: {فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى} .
وقال: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَآءِ الْعَالَمِينَ} .
وقال: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} .
وقال حكاية عن الملائكة: {وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّآفُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} .
وقال في يوم القيامة: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} .