فأخبر أنه لعنه ورجمه وأخرجه من السماوات، وأبان أن المأمورين بالسجود كانوا طبقة واحدة، إلا أن إبليس لما عصى ولعن من الجن الذين يسكنون الأرض، ولا سبيل لهم إلى مخالطة الملأ.
فكان كالعدل من الإنس يفسق أو يرتد فيعصى وينفذ ويدعى فاسقًا وخبيثًا وفاجرًا، بعد أن كان يسمى عدلًا وبرًا وتقيًا والله أعلم.
وأيضًا فإن الله - عز وجل - حكى عن الكفار أنهم قالوا: ولد الله وإن الملائكة بناته، وجعلوا بينه وبين الجن نسبًا، فدل ذلك على أن الملائكة من الجن، وإن النسب الذي جعلوه بين الله وبين الجن، إنما هو قولهم: الملائكة بنات الله، تعالى عما قالوا علوًا كثيرًا.
وأيضًا فإن الإنس منهم الظاهرون والجن هم المختبئون، والملائكة مختبئون، فينبغي أن يكون اسم الجن لاحقًا إياهم.
وأيضًا فإن الله تعالى لما صنف الخلائق قال: {خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} .
فلو كانت الملائكة صنفًا ثالثًا سوى الإنس والجن لما كان يدع أشرف الخلائق، فلم يتمدح بالقدرة على خلقه، ويذكر ما دونه فيمتدح بالقدرة على خلقه، هذا وقد نبهت أن الجان خلق من مارج من نار، وأن إبليس مخلوق من النار، والظاهر دخوله في جملة الملائكة الذين أمروا بالسجود لآدم، وفي هذا رجوت أن تكون الملائكة من الجن والله أعلم.
ومن خالف هذا القول قال: إن سكان الأرض ينقسمون إلى أنس وجن، فأما من خرج عن هذا الحد لم يلحقه اسم الإنس، وإن كان مرئيًا، ولا اسم الجن وإن كان غير مرئي.
ويدل على هذا أن الجن سموا جنًا لأن الإنس لا يرونهم، وإلا فإن بعضهم يرى بعضًا، والناس سموا أنسًا لأن الجن يرونهم، وإنما وجب هذا التمييز بينهم، لأن البقعة الواحدة من الأرض، كالدار الواحدة، والفضاء الواحد، وقد تجمع الفريقين، فيرى الجن الإنس، ولا يرى الإنس الجن.
وأما الملائكة فإنهم بأشد البعد من الناس، فلا يلحقهم اسم الجن، لأنهم لا يرونهم، كما لا يلحق المشرقي اسم الجن، لأن المغربي لايراه، ولا المغربي اسم الجن، لأن المشرقي لا يراه والله أعلم.
ويدل على أن الملائكة غير الجن، أن الله - عز وجل - لما أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم، فسجدوا إلا إبليس.
أخبر الله - عز وجل - عن سبب مفارقة الملائكة: {إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} .
فلو كانوا كلهم جنًا لاشتركوا في الامتناع من السجود ولم يكن في أن إبليس كان من جملة الجن ما يحمله على أن لا يسجد.
وفي هذا ما أبان أن الملائكة خير والجن خير وأنهما فريقان شتى.