فهرس الكتاب

الصفحة 310 من 1217

ودل ذلك أيضًا حديث أبي طلحة وقد تقدمت روايته.

وأما التسوية بين الواصل والقاطع، فلما روي عن أبي ذر رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي - صلى الله عليه وسلّم - بسبع نحب المساكين والدنو منهم، وأن أصل الرحم وإن أدرى وان أدرى وأن أقول الحق وإن كان مرًا وأن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر من هو فوقي، وأن لا أسأل أحدًا شيئًا، وأن لا أخاف في الله لومة لائم.

وأن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها من كنوز الجنة.

وعنه - صلى الله عليه وسلّم: «ليس الواصل بالمكافيء، ولكن لمن إذا انقطعت رحمه وصلها» .

وعنه - صلى الله عليه وسلّم - قال: «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح» ، ومعنى ذلك أنه لا يتهيأ له إيتاؤه إلا بعصيان هواه، فإنه يميل به نحو الإعراض عنه.

وأما صرف ما يفضل عن القرابة إلى الجيران، فلقول الله عز وجل: {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ} .

ولقول النبي - صلى الله عليه وسلّم: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» .

يدل ذلك على أن الجوار يتبع القرابة وكأنه النسب.

ألا ترى أن تأكيد الوصية بالجار كيف أوهم توريثه.

فعلم أنه أولى الأسباب منزلة من الوراثة والله أعلم.

وأما أن لا يخفي ما يتصدق به، فلما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أن عائشة رضي الله عنها ذكرت عدة من مساكين أو عدة من صدقة، فقال لها: «أعطي ولا تخفي فيخفي عليك» .

وأما إخفاء الصدقة فلقول الله عز وجل: {إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ} .

وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: شاب نشأ في عبادة الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تعطي يمينه ... » .

ومعنى ذلك أنها إن لم تكن واجبة جرى فيها الرياء عند الابتداء، فإذا أخفيت كانت عن الرياء أبعد.

وأما إيثار المتعففين، فلقول الله عز وجل: {لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} .

إلى آخره.

ولأن الغالب أن المتعفف الذي لا يسأل أشد حاجة من السائل المتردد.

فكانت الصدقة عليه أحسن موقعًا منها على من ليس في الحاجة مثله.

وأما أن لا يعلى بها على السائل، فلقول الله عز وجل: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى} .

وقال: {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى} .

ومعنى هذا والله أعلم: أن الصدقة تسر السائل وتعطي للمعطي أجرًا، والمن والأذى بسوء السائل، ويوجب على المعطي إثمًا.

فإن ذهب أحدهما بالآخر قصاصًا صار المعطي كأن لم يعط ولم يمتن عليه.

وإذا انصرفت إلى وجهه ارتفع حكم التضعيف وذهب منها السرور على المعطي، أولًا بإدخال الإساءة عليه ثانيًا فصار كل واحد من العطاء والمن كأن لم يكن.

وأما إيثار المحسن على غيره، فلأن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال لهم لما قال له: إني أصبت مالًا كثيرًا لم أصب مثله قط، وإني أريد أن أتصف به إلى الله عز وجل، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلّم: «إحبس الأصل وسبل الثمرة» .

ولأنه إذا أخذ من كانت الرهبة صدقة والثمرة ما دامت ثم صدقة، وإذا ملك الأصل كانت هذه الصدقة ولم تكن الثمرة صدقة فكانت أعم الصدقتين أولى بالفضل والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت