فهرس الكتاب

الصفحة 357 من 1217

ومن أعظم فوائد نعم الله تعالى الاستدلال بها على المنعم، فإن فيها الدليل عليه وعلى قدرته وعلمه وحكمته ووحدانيته.

وقد نبه الله تعالى على ذلك في غير موضع في كتابه، ف الله تبارك وتعالى امتن علينا بأن جعل لنا السمع والأبصار والأفئدة بعد أن أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا.

وقال في آية أخرى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ} .

فالأول امتنان والآخر تنبيه واحتجاج.

فيحتمل أن يكون احتجاجًا على مشركي العرب الذين كانوا يعترفون بالله - عز وجل - ويصفون خلق أنفسهم إليه، ثم يتبنون مع ذلك له شريكًا، فأخبر عنهم أنهم إذا قيل لهم من يبدأ الخلق ثم يعيده، {مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ} ، قالوا: الله وإنهم إذا قيل لهم: من خلقكم؟ قالوا الله، ثم أمر نبيه - صلى الله عليه وسلّم - أن يقول لهم: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ} باتفاق مني ومنكم {فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ} .

وأن يقول لهم: {أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ} .

أي إذا كان هو الخالق لهذه الأشياء، فأخذ منها ما خلق، فمن ذا الذي يتوهم أن يعارضه، فينزع منه ما أخذه منكم، ويرده عليكم.

أي فإذا كان ذلك مما لا سبيل لكم في امتنانه، فاعلموا أنكم لا تحصلون من الشرك إلا على قول مجرد لا حاصل تحته، وأن الكف عنه أولى.

وقال في آية أخرى منها، ومحتجًا: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} .

فكان معنى ذلك، وفي أنفسكم دلالات الحدث، وفي الأحوال المتقلبة بهم من حيث لم يتفكروا فيها.

فإن تلك الأحوال إذا كانت أحداثًا، ولم يكونوا نقلوا منها قط، فواجب أن يعلموا أنهم أحداث، والحدث لا يخلو من يحدثه.

فقيل معنى ذلك: أنكم تعلمون من أنفسكم، أنكم لم تكونوا ثم كنتم، فلا يخلوا أحدكم من أن يكون هو الذي خلق نفسه، أو أبواه خلقاه، أو غيره وغيرهما، ولا يمكن أن يكون خلق نفسه لأنه لو شاء بعد أن تمت قواه وكمل عقله أن يتم من نفسه عضوًا ناقصًا لم يقدر عليه، فوجب أن يعلم أنه إذا كان نطفة مواتًا من أن يقلب نفسه كمالًا محالًا أبعد، وعنه أعجز.

ثم يعلم أنه إذا كان موجودًا غير أنه ضعيف أموات لا يقدر على شيء من أمره، فهو إذا كان عدمًا من ذلك أبعد، ولا يمكن أن يكون أبواه فعلاه، لأن الأبوين في العجز الذي ذكرنا مثله.

فإذا استحال أن يكون فعلا لنفسه، استحال أن يكون فعلا لأبويه، فحق أنه إذا فعل فاعل غيره وغير أبويه، وإنما يراد بالله ذلك الفاعل، أفلا تبصرون، أفلا تدركون بعقولكم ما فيها من هذه الهداية، فتهتدوا بها ولا تكفروا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت