وأما قصة مريم عليها السلام، فإنما كانت إرهاصًا لأمر عيسى عليه السلام، وإكرامًا لزكريا صلوات الله عليه، فقد كان كافلها والقيم عليها، ولم تحل مع ذلك من عمل لأنها كانت تخرج من المسجد فتأتي السقاية لتأخذ من الماء حاجتها وهذا وقد هربت بعد الولادة بعيسى - صلى الله عليه وسلّم -.
وليس على ما يكون لأجل الأنبياء عليهم السلام قياس.
وأما قوله - صلى الله عليه وسلّم: «انتظار الفرج بالصبر عبادة» فمعناه لا مخلص ولا مفرج إلا الصبر.
فأما من جعل الله تعالى له إلى الخلاص مما هو فيه سبيلًا، فينبغي له أن يسلكها متوكلًا على الله أن يؤدي به ذلك إلى الخلاص.
ألا ترى أن الأسير في دار الحرب إذا قدر على الانقلاب من أيدي المشركين، فعليه أن ينقلب ويتوكل على الله تعالى في انقلابه ليعصمه، فلا يؤاخذه برد أو تقبل.
والجائع إذا حضره الطعام فعليه أن يطعم ويتوكل على الله ليرزقه خير الطعام، ويدفع عنه ضرره لا أن يصير عنه متوكلًا عند نفسه والله أعلم.
فأما قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: قد رآني الطبيب، فقال: إني فعال لما أريد، وقول أبي الدرداء رضي الله عنه: هو أضجعني فمحمول على أنهما علما أن آجالهما تصرمت إما برؤيا أو ببعض العلامات، يدل على ذلك أن أبا بكر قال لعائشة رضي الله عنها في ذلك المرض.
إني كنت مجليك واحد وعشرين وسقًا ووددت لو كنت خريب وإنما هو اليوم مال الوارث، فقطع بأنه موروث ولو لم يكن عنده علم واقع بذلك لم يقله، فلذلك لم يأذن في دعاء الطبيب لا أنه لم يرض المعالجة حقًا والله أعلم.