فهرس الكتاب

الصفحة 419 من 1217

وأما قول من قال: إنا وجدنا كثيرًا من السؤال يخدمون، ومن المتعففين يعطون إلى آخر الفصل، فجوابه أن يقال: ووجدنا كثيرًا من المتضورين يموتون جوعًا ومن المعترضين لما أباحه الله تعالى لهم يرزقون، فيحيون ويعيشون.

وقد وجدنا من يحضره الطعام فيهم يأكله، فحال بينه وبينه.

ومن يؤتى ما ليس عنده فيلقيه، فليكن هذا دليلًا على أن تناول الطعام الحاضر والمقصد إليه ليس بجواب على المحتاج إليه، وليكن ما قلناه دليلًا على أن التصبر لا معنى له، وإلا فقد وقف الأمران موقفًا واحدًا، فيحتاج إلى الفصل بينهما، فنقول ـ وبالله التوفيق ـ إن الله تعالى هو الذي وضع المكاسب للناس فأباحها لهم، وهو الذي قرض على الأغنياء أن يواسوا المحتاجين، وعلى المستطيعين أن يعينوا اللهفان، وينصروا المظلوم ويأخذوا على يدي الظالم ويكفوه وهو الذي فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - يملك ضياعًا فيشغلها، ويغزو فيغنم، فيأخذ من الغنيمة حقه، وهو الذي خلق الأدواء، والأدوية، وعلم المعالجات وهدى إليها وأباح التطبيب والقبول عن الأطباء، فأرسل الله رسوله - صلى الله عليه وسلّم - وأذن لغيره بالرقية بل هو في الآكل بها.

وحكى الله عن موسى - صلى الله عليه وسلّم - أنه سقى لبنتي شعيب صلوات الله عليهما، ثم تولى إلى الظل فقال: {رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} أي إني لما سقته لي من خير بما عرضتني إليه من العمل لمن تأجرني عليه فقير، فكان من أمره ما كان.

ووجدنا من يخالفنا ويقول بقطع الأسباب، ويزعم أنه إذا نزلت به حاجة لم يتسبب إلى نجاحها بشيء سوى أن يصير متوكلًا على الله متوقعًا منه أن يظفره بحاجته لأن السبب قد لا ينجح، وهو يعلم أن بصبره قد يخلف فلا ينجح، كما أن تسبب المسبب قد يخلف فلا ينفع.

ألم تر لقوله من هذا الوجه رجحانًا على خلافه، ولكن وجدنا المتسبب أبين عددًا من غيره، لأنه أن يصدر باحتباس حاجته بعد أن يسبب إليها بأقصى ما قدر عليه، فلم يجز مع ذلك أن يوصف بجر الضرر إلى نفسه.

فالمتجرد الصبر إذا تضرر باحتباس حاجته عند لم يأمن أنه لو ترك التصبر إلى التسبب لم يلحقه الضرر الذي لحقه فعلمنا أنه يترك التسبب مخاطر، ووجدنا المتسبب جامعًا بين السبب المأمور أو المأذون فيه.

وبين التوكل في نسبه، وذلك منه طاعة، ولزم الحجة وختم التوكل إليها، المتصبر المعرض عن الأسباب راد للسبل المشروعة على الله جل جلاله بالغيث، بزعمه أنها قد تنجح وقد لا تنجح، ومقتصرًا على التصبر الذي يلزمه ما أكرم غيره في التسبب، فعلمنا أن المتسبب المتوكل في تسببه أثقل حالًا من المتصبر الرافض لما جعل له من الأسباب.

وإن ضايقنا القوم قلنا لهم: تركهم الأسباب معتلين بأنها قد تخلف، فلا ينجح متهمين لله جل ثناؤه في الأسباب التي سببها لهم، وغير معولين في التعلق بها على فضله، مفوضين أمره إلى تدبيره.

وما أبعد ما بين المتهم بربه وبين المتوكل عليه.

فإن كان من يرى هذا الرأي يجوز أن يسمى متوكلًا، فإنما ذلك كتسمية المهلكة مفازة، والحبشى أبا البيضاء وإلا فلا توكل بالحقيقة منه، وأما غيرهم، فإنه إذا لم يقتصر على مجرد التصبر لم يفعل ذلك، لأنه قد يخلف ولا ينجح، وإنما يقتل، لأن الله قد بين لكل ذي حاجة وحلة نهجًا، وقيض لكثير منهم من أهل دينه أقوامًا أمرهم أن يأخذوا بيده ويريحوا عليه كما أمر الأغنياء بمواساة الفقراء، وأمر المطيعين أن ينصروا المظلوم ويغيثوا اللهفان.

فالأولى بأصحاب الحاجات والحلات.

أن ينتهجوا المناهج المعجولة المبينة لهم، ليكونوا مطيعين لله عز وجل، مفوضين الأمر إليه مسلمين لحكمه وتدبيره، وهذا لا يدخله ما دخل القول الأول، وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت