فهرس الكتاب

الصفحة 420 من 1217

ثم نتكلم في الأبواب التي كتبناها في أول الباب فنقول:

أما قول الله عز وجل: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} فإن فيه أن الذين تخوفوا بجمع أهل مكة لقتالهم لم يخافوهم لكثرة عددهم، لأنهم وثقوا من الله بأنه لا يخل نبيه صلوات الله عليه من نصره ومعونته، فقد كانوا شاهدوا ذلك يوم بدر واستيقنوه، ففوضوا أمرهم إلى الله جل ثناؤه، ووطنوا أنفسهم على القتال إن حضر العدو فكانوا بذلك جامعين بين التسبب إلى دفعهم على أنفسهم بالقتال الذي هو طريق الدفع، وبين التوكل على الله تعالى والتفويض إليه، ولم يقعدوا في بيوتهم متربصين أنهم إن حضروا، تولى الله جل ثناؤه كفايتهم إياهم وصدهم عنهم، ولا كان ذلك مما أذن لهم فيه عن أن يؤمروا ويندبوا إليه فعلمنا أن التوكل ليس في قطع الأسباب لكن في استعمال الأسباب على حد الأمر وموافقته، وتفويض النجاح إلى الله تعالى.

والقول في الآية التي في هذه السورة ومن قوله: {إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} هو أن هذه الآية فيها تنبيه على أن النظر إلى القلة والكثرة خلاف التوكل.

ولذلك قال الله - عز وجل - {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} .

وقال: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنَزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ} إلى قوله: {عَلَى مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} .

فعرفهم أن الاعتزاز بالكثرة، والانخذال لأجل القلة خلاف التوكل.

فلا ينبغي للمؤمنين أن يتوقعوا النصر إلا من عند الله تعالى، ولا أن يخافوا الخذلان إلا من جهته وأن يطيعوا فيما يأمرهم به من القتال إذا عرض، فيقاتلوا أعداء الله متوكلين مفوضين أمر النصر إليه.

وفي هذا حث على التسبب لكن بشرط التوكل إلى الأمر بقطع الأسباب والاقتصار على الصبر وحسن الظن، إذ لو كان لذلك لم يفرض القتال ولم يأمر به {وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} .

فإنه نزل في المنافقين.

وقد كان الله تعالى أمر نبيه - صلى الله عليه وسلّم - أن يقبل منهم ظواهرهم ويكل سرائرهم إلى الله تعالى.

فأمره في هذه الآية أن يعرض عنهم ولا يعاتبهم على ما يقولون إذا خرجوا من عنده، بخلاف ما كانوا يقولونه إذا حضروه، وأن يتوكل على الله في الاعراض.

ولسنا ننكر أن يكون التعبير والإمساك واجبين أو مستحبين، أو كان الأمر واقعًا بهما، وإنما ننكر ذلك حيث جعل الله تعالى للناس إليه به إلى تغيير الحال ودفع ما يكرهون والتوصل إلى ما يريدون بشرط التوكل فيما يباشرونه من ذلك السبب، وهذا لم يقم في خلافه دليل، بل يقام عليه عينه، وهو أن الله - عز وجل - لما فرض الهجرة على نبيه - صلى الله عليه وسلّم - من مكة إلى المدينة ولم يأمره أن يتصبر بمكة، متوكلًا على حسن دفاعه، والميل بقلوب الناس إليه، ولم يكن ذلك بعد ذلك إلى أن يثبت فيها متصبرًا بل ألزمه أن يفارقها متوكلًا على الله في مفارقته.

ولا خلاف بين المسلمين في أن امرأة لو أسلمت في دار الحرب وأمكنها أن تهاجر بلا فتنة تخاف على نفسها، فإن عليها أن تهاجر، ولا يكون لها أن تقيم متوكلة برحمها بل يلزمها أن تهاجر وتتوكل على الله تعالى في هجرتها.

وأجمعوا على أن رجلًا لو طلبه حربي أو سلطان جائر، أو فتاك داعر، لم يكن له أن يقعد برصد أو يتعرض له وحده بلا سلاح ولا آلة، وإن فعل ذلك ومعه جماعة يعينونه حل ذلك له إذ كان مع ما وصفنا متوكلًا على الله تعالى في إعانته وإعانة الذي معه على ما يريده بظلم فإن رجلًا لو وضع ماله في صحن داره وترك الباب مفتوحًا أو على الباب للنهب والفتنة، فدخل داخل داره، وأخذ ماله كان مضيعًا لماله، ولو كان ذلك وديعة لغيره عنده يضمنه، ولم يكن في شيء مما ذكرنا متوكل.

فعلمنا أن كل ما بين الله تعالى لعباده فيه طريقًا فسبيلهم أن يسلكوه ويتوكلوا عليه في سلوكه، لا أن يعرضوا عنه ويزعموا أنهم متوكلون عليه مع مفارقتهم وضعه وأمره، وانتهائهم إلى ما لم يأذن لهم فيه والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت