فهرس الكتاب

الصفحة 421 من 1217

وقد قال الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} فأخبر أن الملائكة يوبخون الذين يقيمون ببلد لا ينفد لهم فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، معتذرين بأنهم كانوا مستضعفين في الأرض، ويقولون: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها، فلو كانوا إذا تصبروا وهم مستضعفون فاقتصروا على التوكل من غير هجرة معذورين، أو كان ذلك أفضل لهم لما عاتبتهم الملائكة على مقامهم.

فإن الملائكة لا توبخ من كان آثر الأفضل واختاره والله أعلم.

وكل ما ذكرنا في الآيات التي كتبناها من ذكر الصبر مع التوكل نحو قوله عز وجل: {الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} وقوله: {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَآ آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} فلا يخلو من وجهين:

إما أن يكون المراد من صبر حين لم يكن له وجه إلا الصبر.

وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلّم - في أول أمره مأمورًا بالصبر، فلم يكن يلزمه يومئذ غيره، ولكنه لما أمره وقفوا الصبر إلى الهجرة ثم يضم إلى الهجرة ثم يحره الصبر وإن استشعر في نفسه التوكل المراد من صبر على مجاهدة الأعداء أو الصبر على الهجرة التي أمر بها واحتمل جهدها ومشقتها، متوكلًا على الله - عز وجل - في أن الحسن أمانته ويكفيه ما أهمه وليس واحد منهما قادحًا في أصلنا بحمد الله ومنه.

وقول نوح صلوات الله عليه لقومه: {إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي} .

الآية إلى آخرها، خارج على أنه لم يكن مأمورًا بالهجرة ولا ممكنًا من القتال، وإنما كان فرضه الصبر على ما يلقاه من الأذى، وقد كان الله تعالى أعلمه ما هو فاعل بقومه، وقال له: {فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} .

فتوكل على الله في صبره، ووثق بأنه لا يخلفه وعده.

وقال لقومه: {فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ} وكذلك هود صلوات الله عليه إنما قال لقومه: {فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ} الآية، لم يكن مأمورًا بأكثر من مصابرتهم، ولعل الله تعالى كان أخبره أنه يعصمه ويشفي منهم صدره، فلذلك اقتصر على الصبر، ولو كان واحد من النبيين صلوات الله عليهم مأمورًا بالقتال أو الهجرة، لما حل له أن يلزم الصبر، وإن أضمر التوكل بأن كان لا يسعه إلا أن يفعل ما أمر به ويتوكل كما بينا والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت