وإذا ظهرت حرمة النفس، وأنه لا يحل قتلها إلا بالحق، فالقتل بالحق أن يقتل للكفر والزنا بعد الإحصان أو لقتل نفس غير مستحقة للقتل.
وفي قتلها للكفر وجهان:
أحدهما: أن يقتل بكفر أصلًا وذلك أن يكون ممتنعًا أبدًا والشرك مبانًا للمسلمين.
والآخر: أن يرتد بعد إسلامه.
فأما القتل للكفر الأصل، فقد مر ذكره في باب الجهاد وأما القتل للردة، فقد قال - صلى الله عليه وسلّم: «من بدل دينه فاقتلوه» وارتدت طائفة بعد رسول الله فقاتلهم أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ وقتل من طالت يده منهم.
وأما الزاني في المحصن، فقد ذكر مع المرتد في حديث واحد ـ وقد رويناه ـ وهو الذي أجمع المسلمون على أن عليه الرجم.
فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لولا أن يقول الناس زاد ابن الخطاب في كتاب الله لألحقت بحاشية المصحف الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما نكالًا من الله، والله عزيز حكيم.
وأما قتل النفس بغير نفس، فقد قال الله عز وجل: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} .
فأوجب القصاص ثم أبان عن حكمته فقال: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} .
فقيل في تأويله: إن من هم بقتل أحد، فذكر أنه لو قتل لقتل ردعه ذلك عن القتل، فكانت فيه حياة النفس جميعًا.
وقد ذكر القصاص مع زنا المحصن والردّة في حديث واحد.
وقد تقدّمت روايته.
وليس المقتص إذا قتل أن يسرف على القاتل فيعذبه بما لم يعذب به صاحبه أو نسبه أولا بأن يمثل به ويغضبه أو يطول عليه الأمر، فيقطع كل يوم منه طرفًا ثم يقتله.
روى أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - لما أخبر بأن حمزة مثل به قال: «لئن أظفرني الله عليهم ـ أوكما قال ـ لأمثلن بثلاثين مثله» .
فينزل قوله عز وجل: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - بذلك.
وكان لا يخطب خطبة إلا ونهى عن المثلة ويحث على الصدقة.