أحدهما: أن كلها إيمان بالله - عز وجل - وبرسوله - صلى الله عليه وسلّم -.
والآخر: أن الاعتقاد والإقرار إيمان بالله وبرسوله.
وسائر الطاعات والعبادات إيمان لله ولرسوله.
وسنتكلم على كل واحد من الوجهين عند الحاجة إليه إن شاء الله.
والدليل على أن التصديق بالقلب لا ينفك عن الكفر دون أن ينضم إليه الإقرار باللسان إذا كان مقدورًا عليه ـ إن الله - عز وجل - أمر بالقول فقال: {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} .
ثم قال عز وجل: {فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} .
فأمر المؤمنين أن يقولوا: «آمنا» ثم أخبر ـ بقوله تعالى: (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به) ـ إن ذلك القول منهم إيمان، وسمي قولهم مثل ذلك إن قالوه وإيمانًا، إذ لا معنى لقوله: {فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ} إلا فإن آمنوا بأن قالوا: «مثل ما قلتم» ، فكانوا مؤمنين كما آمنتم.
فصح أن القول إيمان، وبأن قوله تعالى: {فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} بعد ما ثبت أن تقديره ما وصفنا أن المعنى.
فإن قالوا مثل ما قلتم فقد اهتدوا وإن تولوا وأبوا وامتنعوا فإنما هم في شقاق، ومشاقة الله تعالى كفر، فصح أن القول باللسان محتاج إليه لنفي الكفر، والله أعلم.
وقال - عز وجل - في آية أخرى: {فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} .
إن ذلك القول لم ينقلهم عن الكفر، لأنه كان بعد رؤية البأس، فثبت أنه لو كان قبلها، لنفعهم بأن كان ينقلهم من الكفر إلى الإيمان.
ودلت السنة على مثل ما جاء به القرآن، فروي أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» .
ومعلوم أن الإيمان هو الواجب للعصمة، فلما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلّم: أن العصمة المزايلة بالكفر تثبت بالقول، صح أن القول إيمان، وأن الحاجة إليه كالحاجة إلى الاعتقاد لانتفاء الكفر، والنظر يدل على صحة هذا القول، لأن اللسان محل التوحيد كالقلب، فإن القاصد إلى الإيمان كما يخطر بقلبه أن لا إله إلا الله، ويوطن نفسه على أن ذلك كذلك، فيكون موحدًا بقلبه.
فكذلك يجري لسانه بمثل ما كسب قلبه ويعبر عما في ضميره فيقول: لا إله إلا الله، فيكون موحدًا بلسانه، فبان بذلك أن كل واحد من القلب واللسان محل التوحيد، ووجب إذا كان اعتقاد التوحيد أمرًا لا ينتفي الكفر بدونه أن يكون القول باللسان في هذا مثله، وأن لا يقضي بزوال الكفر مع خلو محل التوحيد وبالله التوفيق.