ووجه آخر: وهو أن الكفر لما كان يقوم بالعقد وحده وبالقول وحده، لأن من تكلم بكلمة الكفر مختارًا عالمًا بمعناها غير حاك لها عن غيره كفر، وإن كان لا يعتقد أن ما تنبي عنه الكلمة صحيح، كما أن من اعتقد ضربًا من ضروب الكفر كفر، وإن لم يعبر عنه بلسانه.
دل ذلك على أنه لا ينتفي إلا باجتماع العقد والقول على نفيه، لأنه لما احتيج إلى عقد القلب لنفي الكفر لم تكن العلة فيه، إلا أن فساد العقد مثبت للكفر، وهذا المعنى موجود في القول لأن فساده موجب للكفر، فصح أنه محتاج إليه لنفي الكفر كالعقد، فوجب أن لا يثبت الإيمان إلا بالجمع بين الاعتقاد الصحيح والإقرار الصريح وبالله التوفيق.
ووجه آخر: وهو أن الإجماع قد حصل على أن الإقرار فرض، وإن كان مختلف في أن البراءة من الكفر تقع من دونه أو لا تقع، فلا يخلو وجوبه من أوجه ثلاثة.
أما أن يكون لشغل جاز حتى التوحيد للجمع بذلك بين ظاهر الإيمان وباطنه، أو ليعلم المقر غيره أنه قد اعتقد التوحيد وترك ما يخالفه، أو لا لهذا ولا لذلك.
ولكنه فرض كسائر الفروض التي هي الصلاة والزكاة والصيام، فبطل أن يكون وجوب الإقرار ليعلم المقر غيره حال نفسه في الإيمان، فإن المنفرد بنفسه حيث لا بأس عنده ولا أحد معه يلزمه من الإقرار والتشهد بشهادة الحق، ما يلزم التارك بين الجماعة ومعلوم أنه إذا كان خاليًا بنفسه، فليس يحتاج أن يعلم غيره إيمانه بل لا غير فيعلمه، فثبت أن وجود الإقرار ليس للإعلام، ودل على ذلك أيضًا أنه لو أقر من حيث لا يسمع إلا لنفسه لسقط عنه فرض الإقرار، فعلم أن وجوبه ليس لأعلام الغير، وبطل أن يكون وجوبه كوجوب الصلاة والزكاة لأنه أخف كلفة وأقل شغلًا من الصلاة والزكاة والصيام، ثم لا يتكرر تكرارًا متداينًا ولا يتكرر متزاجيًا، فلو كان وجوبه على أنه من فروع الإيمان لتكرر كما يتكرر ما هو أشق وأثقل منه، فإن قال: فإن الإقرار يتكرر في الصلوات، قيل: أول ما يجب الإقرار فإنما يجب في غير الصلاة فتكرره يجب مرة بعد أخرى في غير الصلاة ليكون مقصودًا بنفسه، وأما إذا وجب في الصلاة فإنما يجب لتكميلها، وليس ذلك من وجوبها لنفسها بسبيل.
ألا ترى أن عامة ما يجب على الصائم الإمساك عنه، يجب على المصلي الإمساك عنه؟ ثم لا يكون تكرر صيام لأنه شروط غيره وليس بمقصود في نفسه! فكذلك الإقرار والله أعلم.
ولما بطل هذان الوجهان صح الثالث وهو أن الإقرار إنما يلزم لينضم إلى الاعتقاد ويعاونه على نفي الكفر والله أعلم.