ومنها الأول ومنها الآخر: وقد ورد القرآن بهذين الاسمين.
والأول: هو الذي لا قبل له، والآخر: هو الذي لا بعد له، قبل وبعد نهايتان، فتقبل نهاية الوجود من قبل ابتدائه، وبعد غايته من قبل انتهائه، فإذا لم يكن له ابتداء ولا انتهاء لم يكن للوجود قبل ولا بعد، فكان هو الأول والآخر.
ومنها الباقي: قال الله عز وجل: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ} .
وهذا أيضًا من لواحق قولنا: قديم، لأنه إذا كان موجودًا لا عن أول ولا لسبب، لم يجز عليه الانقطاع بسبب وجوده، فلما لم يكن لوجود القديم سبب، يتوهم أن ذلك السبب أن ارتفع عدم، علمنا أنه لا انقطاع له.
ومنها الحق: قال الله عز وجل: {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} .
والحق ما لا يسع إفكاره ويلزم إثباته والاعتراف به، ووجود الباري تعالى أولى ما يجب الاعتراف به، ولا يسع جحده.
إذ لا مثبت يتظاهر عليه من الدلائل البينة الظاهرة ما تظاهرت على وجود الباري جل جلاله.
ومنها المبين: وهو الذي لا يخفى ولا يتكتم.
والباري جل ثناؤه ليس بخاف ولا منكتم، لأن له من الأفعال الدالة عليه ما يستحيل معها أن يخفى، فلا يوقف عليه ولا يدري.
ومنها الظاهر: ومعناه البادي بأفعاله وهو جل ثناؤه بهذه الصفة، فلا يمكن معها أن يجحد وجوده وينكر ثبوته.
ومنها الوارث: لأن معناه الباقي بعد ذهاب غيره، وربنا جل ثناؤه بهذه الصفة لأنه يبقى بعد ذهاب الملاك الذي أمتعهم في هذه الدنيا بما أتاهم، لأن وجودهم وجود الأملاك كان به ووجوده ليس بغيره.
وهذا الاسم مما يؤثر عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - وليس له في الكتاب ذكر والله أعلم.
ثانيًا: ذكر الأسماء التي تتبع إثبات وحدانيته عن اسمه:
أولها الواحد: فهو واحد من حيث إنه ليس له شريك، فيجري عليه لأجله حكم العدد، وتبطل به وحدانيته.
والآخر: أنه واحد، هي أن ذاته ذات لا يجوز عليه التكثر لغيره، والإشارة فيه إلى أنه ليس بجوهر ولا عرض، لا قوام له إلا بغير يحله، والقديم فرد لا يجوز عليه حاجة إلى غيره، ولا يكثر بغيره، ولا هذا لو قيل أن معنى الواحد أنه القائم بنفسه لكان ذلك صحيحًا ولرجع المعنى إلى أنه ليس بجوهر ولا عرض، لأن قيام الجوهر بفاعله ومثبته، وقيام العرض بجوهر يحله.
والثالث: أن معنى الواحد: القديم.
فإذا قلنا الواحد، فإنما يريد به الذي لا يمكن أنه يكون أكثر من واحد، والذي لا يمكن أن يكون أكثر من واحد هو القديم، لأن القديم بالإطلاق السابق للموجودات، ومهما كان قديمًا كان كل واحد منهما غير سابق بالإطلاق، لأنه إن سبق غير صاحبه فليس بسابق لصاحبه وهو موجود لوجوده، فيكون إذا قديمًا من وجه غير قديم من وجه، ويكون القدم وصفًا لهما معًا، ولا يكون وصفًا لهما معًا، ولا يكون وصفًا لكل واحد منهما.
فثبت أن القديم بالإطلاق لا يكون إلا واحدًا.
فالواحد إذا هو القديم الذي لا يمكن أن يكون إلا واحدًا.