وقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} فيكون هذا من قولهم: برأ القواس القوس إذا صنعها من موادها التي كانت لها فجاءت منها لا كهيئتها، والاعتراف لله - عز وجل - بالإبداع يقتضي الاعتراف له بالبرء، وكان المعترف يعلم من نفسه أنه منقول من حال إلى حال إلى أن صار ممن يقدر على الاعتقاد والاعتراف.
ومنها الذارئ: ومعناه المنشئ، والمعنى قال الله عز وجل: {جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْواجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} أي جعلكم أزواجًا وذكورًا وإناثًا لينشئكم ويكثركم وينميكم، فظهر بذلك أن الذرء ما قلنا، وصار الاعتراف بالإبداع يلزم من الاعتراف بالذرء ما يلزم من الاعتراف بالبرء.
ومنها الخالق: قال الله عز وجل: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} ومعناه الذي صنف المبدعات وجعل لكل صنف منها قدرًا، فوجد فيها الصغير والكبير والطويل والقصير والإنسان والبهيم والدابة والطائر والحيوان والموات، ولا شك أن الاعتراف بالإبداع يقتضي الاعتراف بالخلق إذ كان الخلق هيئة الإبداع فلا يغني أحدهما عن الآخر.
ومنها الخلاق: قال الله عز وجل: {بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ} ومعناه الخالق خلقًا من بعد خلق.
ومنها الصانع: ومعناه المركب والمهيئ، قال الله عز وجل: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} وقد يكون الصانع الفاعل، ويدخل فيه الاختراع والتركيب معًا.
ومنها الفاطر: ومعناه فاتق المرتق من السماء والأرض.
قال الله عز وجل: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} فقد يكون المعنى كانت السماء دخانًا فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها، وكانت الأرض غير مدحوة فدحاها، وأخرج منها ماءها ومرعاها، ومن قال هذا قال: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} ومعناه.
ألم يعملوا وقد يكون المعنى ما روي عن بعض الآثار: فتقنا السماء بالمطر والأرض بالنبات.
وقال ابن عباس رضي الله عنه: كنت لا أدري ما معنى فاطر حتى سمعت أعرابيين يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي حفرتها وسففت عن الماء فيه فنبع وظهر، والاعتراف بالإبداع يقتضي هذا المعنى ويأتي عليه.