فهرس الكتاب

الصفحة 839 من 1217

فيقال: إن الإيمان اسم لجميع الخيرات: فرائضها ونوافلها وأنواعها منه.

وليست بخارجة من الشعب البضع والسبعين ولا زيادة عليها، لأن المحدود في الشريعة لا سبيل لأحد إلى الزيادة عليه، ولكن هذا التوفيق يلحق هذه الشعب من قبل الوضع والشرع، فأما أفعالنا وأعمالنا وأداؤنا هذه الشعب فإنها قد تقل وتكثر، كما أنها قد توجد وقد تعدم، والشرع بحالة لا يتغير، فإذا جاز أن تكون هذه الشعب من حيث الشرع موجودة، ولا يوجد من بعض الناس فعل شيء منها جاز أن يكون من حيث الشرع محدودة ويوجد من الناس التفاوت فيها، فمن جامع بينهما وبين مفرق، فمن جمع فقد كمل إيمانه، ومن فرق نقص إيمانه.

ألا ترى أن الصلاة المفروضة محدودة في الشريعة، ثم قد توجد في أفعال المؤدين لها بالزيادة والنقصان، فمن أقامها كان كامل الإيمان ومن أقام بعضها وترك بعضها كان ناقص الصلاة وأجزاؤه كالصلاة وأعدادها والله أعلم.

قال الرجل: فتأويل الآية يخرج على وجوه:

أحدها: أن يكون المراد بها الزيادة في فضل الإيمان ودرجته، وحسنه وجماله، لا في أجزائه وأبعاضه، كما سميت صلاة واحدة بمكة بألف صلاة، وأريد بذلك الزيادة في الفضل والدرجة لا في العدد.

والآخر أن ما كان زيادة في نفس الشيء وأجزائه فإن ارتفاعه يوجب نقصانًا فيه، وترك الطاعات لا يوجب نقصانًا في نفس الإيمان.

فدل ذلك على أنه ارتد به الفضل والدرجة، وهكذا يقول: إن الإيمان يزيد في الفضل والدرجة والحسن والجمال، ومن تعاطى المعاصي كان إيمانه في الفضل والمنزلة، ومن الإيمان من يتعاطى أفعال الطاعات.

فيقال له: إن الآية لا تحتمل ما ذكرت لأن الله - عز وجل - قال: {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} .

ومعلوم أن نزول السورة لا يزيد المؤمنين فضل درجاتهم في إيمانهم، ولكنها قد تزيدهم إيمانًا من حيث يعتقدونها ويعملون بها، فتكثر بذلك طاعاتهم.

فصح أن المعنى هذا دون ما قاله.

فإن قال: وما يمنع من أن يقال أنها تزيدهم إيمانًا من حيث يعتقدونها ويعملون بها فتكثر، فتزداد بذلك درجات إيمانهم.

قيل: يمنع من هذا أن الإيمان عندك إنما هو الاعتقاد والإقرار فقط.

ومجموع هذين لا ينبغي أن يزداد تفضلًا في درجات الثواب بطاعة تقام وخير يكسب بعده إن لم يكن ذلك إيمانًا، لأن ثواب الإيمان لا يزداد ودرجاته لا تتضاعف بما ليس بإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت