وقد دخل في جملة ما روينا الاسترقاء، من العين.
ومما جاء به خاصة قول النبي - صلى الله عليه وسلّم - «أن العين تدخل الجمل القدر والرجل القبر»
وقالت أسماء بنت عميس: «يا رسول الله إن بنى جعفر تسرع إليهم العين، أفأسترقي لهم؟ قال: نعم، لو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين» .
وروي أن عامر بن ربيعة رأس سهيل بن حنيف.
فقال: ما رأيت كاليوم وراء جلد محياه مليط به حتى ما يفسد من شدة الوجع، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - «يتهمون أحدًا لو أنعم عامر بن ربيعة، وأخبروه بقوله، فأمره رسول الله، أن يغتسل في قدح له، فراح مع الركب.
قال الزهري: يؤتى الرجل العائذ بقدح، فيدخل كفه اليسرى فتصب على كفه اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى فتصب على كفه اليسرى، ثم يدخل اليمنى فتصب على مرفقه الأيسر ثم يدخل يده اليسرى فتصب على ركبته اليسرى ثم يغسل داخل إزاره، أي طرف إزاره الذي يلي جسده وهو يلي الجانب الأيمن، لأن المؤتزر يبدأ بجانبه الأيمن إذا اتزر، فذلك الطرف يباشر جسده فهو الذي يغسل.
وروي في هذا الحديث أن النبي قال: «علام يقتل أحدكم أخاه إذا رأى أحدكم ما يعجبه من أخيه فليبارك عليه» .
وروي أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ركب يومًا فنظرت إليه امرأة فقالت: إن أميركم هذا ليعلم أنه أهضم الكشحين، فرجع إلى منزله فسقط.
فبلغه ما قالت المرأة، فأرسل إليها، فغسلت له.
ولم أعلم أحدًا يتكلم في حقيقة العين بما يعتمد عليه ويوثق به.
وقد قيل أن الله تبارك وتعالى قد برأ في خلقه، سوى ما ينسب إلى الأوضاع والنظر من ذلك أنهم يستشفي منه بالصلاة والدعاء والصدقة فيشفهم ويخلصهم.
ويفرط الواحد على آخر في البغي عليه، فيأخذ مكانه ببغية ولا يسهله ولا يكاد يعرف من أسباب هذه الأمور ما يعرف من أسباب شفاء المرضي بالأدوية، وإزاحة المبتلي بسلطان جائر.
أما بإلهامه الرأفة به، وأما بتنبيه من يشفع له، وحفظ المار على اللصوص بإغفالهم عنه، أو صدف همهم عما معه، وإلهامهم خوفًا منه، أو من غيره لأجله وغير ذلك.
وصيانة دار الواحد عن النار في حريق واقع، إما بإرسال ريح تصرف النار عنها إلى غير وجهها، وإما بتسيير إطفائها.
قبل أن يبلغها.
وإما ببقائها في شيء مجانب لها، فتصير بذلك عادلة عن طريقها.
فإن هذه أمور قد عرفت وجوهها، فأمكن الإعراب عنها والإشارة إليها، وتلك التي ذكرناها والعين معها إنما تضاف في الجملة إلى قدرة الله تعالى وإرادته من غير معتد لأنه ليس لشيء من الأحداث والكوائن سوى إرادة الله تعالى سبب يوجبه وما عدا إرادته بدعاء سببًا.
بمعنى أنه الوقت أو الحال التي أراد الله تعالى الكون عندها، فعلى هذا سبب الإخلاص من البحر دعاؤهم وتضرعهم.
وسبب السقيا في حال الجدب الدعاء والمسألة.
وسبب أخذ الباغي ببغيه ادعاؤه من القدرة والبسطة ما لا ينبغي إلا لله جل ثناؤه، كما أن سبب شفاء المريض إذا تداوى بدواء إلى أمر الله تعالى أن يتداوى به.
وسبب انصراف النار، والسلامة من اللص والخلاص من السبع والسلطان الجائر ما وصفت.
وليس يجب بقوله أنها أسباب، إلا أنها الأوقات والأحوال التي أراد الله حلول قضاياه وأقداره عندها.
وإلا فليس شيء منها موجبًا كون ما يتفق كونه بهذه إذًا وهلاك ما يهلك بالعين وسائر ما ذكر معه سواء لا فرق بينهما والله أعلم.
وقد انتهى في هذا الموضع بيان ما أردنا بيانه من أن كل حادث من الله تعالى لم يبتليه به طريقًا يسلكه ويستبيح به حاجته بسلوكه، والأولى به أن يقبل ذلك عن الله - تعالى جده -، ويستشعر التوكل عليه عز اسمه في قبول ما نهجه له عنه، لا في مفارقته وانتهاج نهج سواه برأيه والله أعلم.